محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢ - الخطبة الأولى
فكم تجد من صاحب حسٍّ خُلُقي مرهف، وشعور كريم بهذه الدرجة في الناس؟! بل أين الذين يرتفع أُفُقهم الرّوحيُّ هذا الارتفاع، ويستطيعون التحرّر الخُلُقي من ضغط الضّرورة الملحّة إلى هذا الحدّ، وفي غير أجواءٍ مثيرة مستنهِضة من الخارج لجانب الروح؟!
ويسأل الإمام عليه السلام ربَّه الكريم أن يُرضّي عنه أيّ عبدٍ من عبيد الله، أو أيّ أَمَةٍ من إمائه مؤمنَين كانا أو فاسقَين، مسلمَين أو كافرَين تحامل عليهما ولو تحاملًا نفسيّاً بميل أو هوى أو أَنَفَة أو حميّة أو رياء، أو عصبية غائبَين كانا أو شاهدَين، وحيّين كانا أو ميتين وأن يغفر له ذنبَه هذا الذي يستكثره، ويقضّ عليه مضجعه، ويُفسد عليه جوَّه كلَّه، ويُنغّص حياته، ويسلبه الشّعور بأيّ لون من السّعادة والاستقرار.
الإمام عليه السلام لا يضج في هذا المقطع من ألمٍ روحيٍّ كان وراءه إسالة دم حرام، أو تعدٍّ على مال الغير، أو عِرضه، أو إيصال سوء إلى أحد، وسعيٌ في الأرض بظلم أو فساد.
كلّ الشكوى ٦ من تحامل نفسي، ومَوجدة نفسيّة عارضة للنفس بشأن الغير. لكنْ حقَّ لنفس تقيس كل شيء بمقياس الرضى الإلهي أن ترى في هذه المَوجِدة كبيرة موبقة ما دامت لا تنال رضى الله، ولا تنطلق من النظر إليه.
وليقس أحدنا نفسه إلى هذه النفسيَّة، وروحه إلى هذه الرّوح، وأُفُقه الإيمانيّ إلى هذا الأفق في موقفه من كلّ القضايا، ومن كل النّاس بمن فيهم أعداؤه وأعداء الله ٧، وهل يملك نفسه، ولا يتعدّى مُقتضى الإيمان، والخُلُق العظيم مهما كان الحال، وأيّاً كان الطّرف الآخر؟ ما أكبره من تحدٍّ، وما أعظمه من امتحان، وما أبعدها من قِمم لو طلبها كبار كثيرون لارتدّوا عنها خاسئين.