محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١٤ - الخطبة الأولى
وقمّة القوة أن نكون كذلك، ولكنها قِمةٌ شاهقة يأتي بذل العمر كلّه موفّقاً لو أعطى اقتراباً منها، وعلى المؤمن المحاولة وبذل ما في الوسع والجهاد. ولو حقّقت حياة أحدنا هذا الاقتراب لكانت من أنجح ما تكون حياة، وأسعد ما تكون حياة. ولا يشاركها نجاحها المتميّز إلا حياةٌ وصلت إلى ما وصلت إليه، ولا أنجح منها إلا ما تحقّق لها اقتراب أدنى من تلك القمّة.
ولندخل مدرسة المعصومين عليهم السلام في هذا الموضوع باستعراض بعض النصوص النيّرة وإن كان استعراضاً على عجل.
عن الرسول صلَّى الله عليه وآله:" من أصبح على الدنيا حريصاً أصبح وهو على الله ساخط، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربّه" ٤.
وعن الإمام علي عليه السلام:" من أصبح على الدُّنيا حزيناً فقد أصبح لقضاء الله ساخطا، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربّه" ٥.
يأتي الحرص والحزن على الدنيا من منشأ التعلّق بها، وغياب النظر إلى الله سبحانه، وإلى الآخرة. والحِرصُ على الدنيا، والحزن لها ضعف في الرّوح، وانحدارة في مستواها.
والحريص على الدنيا لا يشبع حتى مع سعة الرّزق، وبذخ الحال. فحتى لو أُوتي أضعاف ما تدعو إليه حاجته، لا يرضى بكلّ ما آتاه الله من فضله، ويصاحبُه السخط على رازقه، وإن وسَّع عليه ما وسّع.
وشكوى المصيبة في الحديثين الشريفين شكوى تدمُّر، وعدم رضا بما يجري به القضاء، شكوى نفس تذهب بها ظنون السوء كلّ مذهب في قضاء الله، وعدله وحكمته.