محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧١ - الخطبة الأولى
وحتّى القاتل لا يُتجاوز في القصاص منه حدّ ما يستحقّه فعله في الشرع العادل؛ شرع الله الذي لا عدل كعدله.
وللمؤمن ميزة خاصّة في تعامل أخيه المؤمن معه، وهي أن يؤثره على نفسه. والإيثار، والزيادة في حقّ الغير، والتغاضي عن تجاوزه إحسان. وليس كثيرا على المؤمن أن يحسن لأخيه المؤمن للقيمة العالية في نفسه للإيمان. والإحسان بين المؤمنين خلق مطلوب منهم جميعاً، ولا يخصّ طرفاً دون آخر ٥، فإذا طالبت أخاك المؤمن بالإحسان فلتطالب نفسك به قبل ذلك، وتأخذ به.
والإنصاف كما يمتنع على الضعيف من القوي ٦، نراه في المنقول عن الإمام علي عليه السلام ممتنعاً على البعض لا لضعف، وإنما لشرف وتميّز يجعله فوق أن ينزل إلى مستوى ظالمه في ممارسته وكلماته وتصرفاته مما يتطلبه انتصافه منه، وإلا لظلم نفسه ٧، وخسر من عقله ودينه وشرفه وموقعه.
فعنه عليه السلام:" ثَلاثَةٌ لا يَنْتَصِفُونَ مِنْ ثَلاثَة أبَداً: الْعاقِلُ مِنَ الأحْمَقِ، وَالْبَ- رُّ مِنَ الْفاجِرِ، وَالْكَريمُ مِنَ اللَّئِيمِ" ٨، وفي كلمة أخرى:" لا يَنْتَصِفُ الْبَرُّ مِنَ الفاجِرِ، لا يَنْ- تَصِفُ عالِمٌ مِنْ جاهِل" ٩.
الأحمق، والفاجر، واللئيم القميء، والجاهل لا يتوقفون عن فعل سيء، ولا قول شائن، ولا يتورعون عن نيل الآخر بغير حقّ، والمبالغة في سبٍّ وشتم وظلم، وهو ما لا يمكن أن يحدث مثله من عاقل، أو بر، أو كريم، أو عالم، حتى يتم لهؤلاء الانتصاف من أولئك بمثل ما كان منهم من ظلم وفحش وإساءة.
وأمّا عن الإنصاف من النفس: فإنه امتحان شديد للمرء في عقله ودينه وخلقه بصورة عامة إلّا أنه أكبر شدّة حين ينال من العزّ الظاهري لها ١٠، ويسبب له الحرج أمام الناس إذ يقتضي منها الاعتراف بالخطأ، والتخلّي عن الرأي، والإعلان عن القصور والتقصير،