محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧٠ - الخطبة الأولى
وأشدّ ما يثير غرور الناس، وينسيهم ذكر الله عزّ وجلّ، ويفتح باب الشيطان هو الرئاسة والسلطان، وتجمع السلطة الجند والمال، وتقتضي طاعة المطيعين، وتزلّف المتزلّفين، وخوف الخائفين، وطأطأة المتطأطأين، وكلّ ذلك يستخفّ النفس التي لا تعرف الله، ولا تذكره، ولا تخشاه، ويُغريها بالتعالي، والاستكبار، والظلم، والبغي في الأرض بغير حقّ، ومجانبة الإنصاف.
وحين يكون الإنصاف هو الزكاة المفروضة على ذوي السلطان، فلا زكاة أعظم منها، ولا ضريبة أثقل منها على سلطان نسي ذكر ربّه، ورأى من نفسه أنّه إله آخر يَسأل ولا يُسأل، ويُحاسب ولا يُحاسَب، ويحقّ له أن يُعاقِب ولا يجوز أن يُعاقَب.
الكلمة الأخرى له عليه السلام:" قَلَّما يُنْصِفُ اللِّسانُ في نَشْرِ قَبيح أوْ إحْسان" ٣:
وفي الأغلب يكون وراء نشر القبيح بغضٌ للآخر، ووراء نشر الإحسان حبّ له. وقليل ما تتغلّب النفس على كرهها، ولا تنهزم أمام حبّها. وكلّ منهما فيه من قوة الاستيلاء إذا تمكّن في النفس، وتعاظم، وتجذّر ما يقهرها، ويُسقط الإرادة.
فإذا جاء نشر قبيح من عدوّ أخذ به بغضه إلى التجاوز، وإذا جاء نشر إحسان من صديق أخذ به حبّه إلى التزيُّد. ولا يكاد الحبّ والبغض يُبقيان ثناءً ولا ذمّاً عند الحدّ الذي يقتضيه واقع ما عليه جمال الفعل الذي أتاه الممدوح من قدر، أو واقع قبح الفعل الذي أتاه المذموم من حجم.
ثمّ إنّه ما أصعب ضبطَ مقدار ما عليه أفعال الناس من حسن وقبح بصورة عامة لتوزن بميزان العدل والحق الدقيق.
الكلمة الثالثة عن الإمام عليه السلام:" عامِلْ سائِرَ النّاسِ بِالإنْصافِ وَ عامِلِ الْمُؤْمِنِينَ بِالإيثارِ" ٤:
لا تَنزُّل عن حدِّ الإنصاف في الإسلام في تعامل مع صديق أو عدو، وقريب أو بعيد.