محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣١ - الخطبة الأولى
وأين النّاس والحكومات بالخصوص من هذا الميزان الدَّقيق الذي يحتاج إلى عقل، وحكمة، ودين، وسموِّ نفس، وخُلُق عظيم؟!
والإحسان لا يدخل فيه أن تسلُبَ حقّ شخصٍ لتزيد من حظِّ شخص آخر، وأنْ ترفع من شأن إنسان على حساب إنسان آخر.
الإحسان هو تفضّلٌ وأن تعرف حقّ الغير وتزيد عليه من عندك، أو تعرف منه إساءة لك، وتتجاوز عنها، وتعِفَّ عن مقابلتها مع القدرة ترفُّعاً، أو تزيد في التفضّل بأن تقابلها بالحسنة من دون أن تُنقِص من أحد شيئاً، أو تَخرُج على ما دون ذلك من حقِ ٤.
وعن الإمام الباقر عليه السلام:" لا عدل كالإنصاف" ٥. والظاهر أن كلّ موارد العدل موارد للإنصاف، ولعلّ المعنيَّ بالإنصاف في كلمة الباقر عليه السلام والذي عَظَّم العدل في مورده هو الإنصاف في الحكم بين النّاس لصعوبة ما يعترضه من تحدّيات، وما يواجه التزامَ الحقِّ فيه من ضغوط ثقيلة مُرهِقة.
موقع الإنصاف:
إذا كان الإنصاف العدل فإنه لا يأتي شيء قبله إلَّا الإحسان، ولكنَّ الإحسان بين الناس لا يتعدّى في دائرته تنازل النفس عن حقّها في حدود معيَّنة، ولا يصحّ فيه أن يهدم أصلَ العدل فمن حقّق رغبةً شيطانية لأحد مخالفاً حقّ الله عزّ وجلّ فقد أساء ولم يحسن، ومن ظلم شخصاً بريئاً بانتزاع قلبه لينقذ حياة شخص آخر بعنوان الإحسان وإن كانت له ميزة ظاهرة على الأول في العلم والتقوى والنفع والمكانة فقد ارتكب إثماً عظيماً، واقترف جريمة نكراء.