محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٣ - الخطبة الثانية
والظاهرة ليست بنت اليوم، وإنما قد ترسّخت طويلا، ومكثها في الأرض عامة، وفي الأرض العربية بالخصوص طويلٌ مقيم.
لكن لماذا اليوم لا أمس يرتفع صوت الشعوب، وتكثر التحركات والثورات، ويعلو لهب النار، ويحتدم الصراع؟
السرّ أن من عناصر العلة انتفاء المانع، فحتى مع وجود المقتضي لا يولد المُسبَّب في ظل ما يعطل فاعليته. فالظلم، والنهب، والقهر، والإساءة، وازدراء الشعوب، والاستخفاف بكرامتها، واستعبادها، وتجهيلها، واستحمارها من قبل الحكومات هو ما اعتادته الساحة العربية منذ قديم، ومنذ تنكّرت هذه الحكومات لإسلام الأمة وإنسانيتها.
والتخلُّف الفكري، والهزيمة النفسية، وسحق الثقة في النفس، ومحق إرادة التغيير عند الشعوب بفعل سياسة التجهيل والقمع والإذلال، وتحريف الدين، وتحويله إلى أداة تخديرٍ وتدجينٍ واستسلامٍ لإرادة الظالم، كان دائماً هو المعطِّل لحركة الشعوب من أجل استرداد حقها وكرامتها.
كان هذا هو المانع من أن يدفع واقع الظلم والاستبداد والأثرة والقهر الذي تمارسه الحكومات شعوب الأمة للتحرك، وقبول ما يتطلبه من ثمنٍ باهظ، وقد شاء الله عز وجل أن يرتفع هذا المانع بحدوث درجةٍ من الصحوة الإسلامية التي عمت الأمة، فكان لها منها بعثٌ قوي، وحياة فكر وإرادة ومضاء وروح تضحية من جديد.
وبهذا المستجدِّ في حياة الشعوب كان لابد من نهضة، ولابد من إصلاح وتغيير وإن كلّف الكثير. وهذا الذي كان حين هبّ صاحب الحق للمطالبة بحقّه، وأصرّ المأسور على استرداد