دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٩٨ - الاستدلال بالسنة على وجوب الاحتياط
لا يقال (١): نعم؛ و لكنه يستكشف منه على نحو الإن إيجاب الاحتياط من قبل، ليصح به العقوبة على المخالفة.
الدور، لتوقف إيجاب الاحتياط على الهلكة، و توقف الهلكة على إيجاب الاحتياط، فلا بد من القول بعدم ترتب الهلكة على الأمر بالتوقف و الاحتياط، و الالتزام بترتبها على التكليف المنجز بغير الأمر بهما؛ دفعا لمحذور الدور، فإذا لم تترتب الهلكة عليه كان الأمر للإرشاد.
و بالجملة: لا يصح جعل الهلكة علة لإيجاب الاحتياط مع فرض ترتب الهلكة عليه كما يدعيه الخصم؛ لاستلزامه- بمقتضى تقدم العلة على المعلوم- أن يكون كل منهما مقدما على صاحبه و مؤخرا عنه في آن واحد و هو محال، فلا محيص عن الالتزام بتقدم الهلكة رتبة على الأمر بالاحتياط دون تأخرها عنه، بمعنى: كونها معلولة له؛ بل هي معلولة لشيء آخر كما تقدم. و هذا نظير قوله: «لا تعبر الطريق الفلاني؛ لأن فيه قاطع الطريق»، فإن التعليل به لا يصح إلا مع وجوده قبل النهي عن العبور.
(١) الغرض من هذا الإشكال: استكشاف الأمر المولوي الظاهري بالاحتياط بالبرهان الإني.
و توضيح الإشكال: يتوقف على مقدمة و هي أمور تالية:
الأول: إن موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ليس هو عدم البيان على الحكم الواقعي فقط حتى يجري بمجرده؛ و لو مع وجود البيان على الحكم الظاهرى؛ بل هو عدم البيان على كليهما معا، فلو وجد البيان على الحكم الظاهري فقط لم تجر القاعدة، كما لا تجري لو وجد على الحكم الواقعي فقط.
الثاني: أن ظاهر تعليل حكم متعلق بطبيعة هو سريان الحكم في جميع مصاديق تلك الطبيعة، و عدم اختصاصه ببعض أفرادها كما في قولك: «لا تأكل الرمان لأنه حامض»، و موضوع الأمر بالتوقف في المقام هو: «الشبهة»، و هي بإطلاقها تشمل مورد النزاع أعني: الشبهة البدوية بعد الفحص، فإذا لم يوجد مقيد شمله الحكم بالوقوف.
الثالث: أن الحكم الشرعي إما أن يدل عليه الخطاب بالمطابقة كقوله: «يجب كذا»، أو «يحرم كذا»، أو يدل عليه بالالتزام مثل قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها [١] فإنه يدل بالالتزام على حرمة القتل عمدا؛ و إلا لم يكن وجه لجزاء القاتل بخلوده في جهنم.
[١] النساء: ٩٣.