دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٠٥ - في وجه عدول المصنف عن البراءة عن الحكم التكليفي إلى الوضعي
الأول (١)، و لا دليل (٢) آخر على أمر آخر (٣) بالخالي عنه (٤).
لأنه يقال: نعم (٥)؛ و إن كان ارتفاعه بارتفاع منشأ انتزاعه؛ إلا إن نسبة حديث
توضيح هذا الإشكال- على ما في «منتهى الدراية، ج ٦، ص ٢٣٤»- هو: أنه بعد جريان أصالة البراءة في الأمر بالأكثر- الذي هو منشأ انتزاع الجزئية- لا يبقى أمر يتعلق بالأقل، و المفروض: عدم دليل آخر يدل على كون الواجب هو الأقل، و أصالة البراءة أيضا لا تثبته إلا على القول بحجية الأصول المثبتة، فلا وجه حينئذ لما أفيد قبيل هذا من «أن عموم حديث الرفع يرفع الإجمال و التردد عن الواجب المردد بين الأقل و الأكثر و يعينه في الأقل»؛ و ذلك لبداهة: ارتفاع الأمر بأصل البراءة و لا أمر آخر يدل على كون الواجب هو الأقل الخالي عما شك في جزئيته.
فالنتيجة: أن البراءة الشرعية لا تجري حتى يثبت أن الواجب هو الأقل و ينحل به العلم الإجمالي؛ بل يجب الاحتياط عقلا بإتيان الأكثر.
(١) و هو الأمر المتعلق بالأكثر المفروض ارتفاعه بحديث الرفع.
(٢) أي: و الحال أنه لا دليل آخر على تعلق طلب آخر بالأقل.
(٣) يعني: غير الأمر الأول المتعلق بالأكثر المرتفع بحديث الرفع.
(٤) أي: بالخالي عما شك في جزئيته، و المراد بالخالي عن المشكوك: هو الأقل.
(٥) أي: و إن لم يكن دليل آخر على وجوب الأقل بعد نفي الأكثر بالبراءة؛ إلا إنه يمكن إثبات وجوب الأقل بطريق آخر سيأتي بيانه.
و هذا جواب الإشكال و محصله:- على ما في «منتهى الدراية، ج ٦، ص ٢٣٥»- أن الوجه في ثبوت الأمر بالأقل ليس هو البراءة الشرعية حتى يقال: إن الأصل لا يثبت اللوازم؛ بل الوجه في ذلك هو: الجمع بين أدلة الأجزاء و بين أدلة البراءة الشرعية، حيث إن وجوب الأقل معلوم بنفس أدلة الأجزاء، و وجوب الأكثر منفي بالبراءة الشرعية، فيكون مثل حديث الرفع بمنزلة الاستثناء و تقييد إطلاقها لحالتي العلم و الجهل بجزئية الأجزاء، فإذا فرض جزئية السورة مثلا للصلاة واقعا كان مثل حديث الرفع نافيا لجزئيتها في حال الجهل بها، فكأن الشارع قال: «يجب في الصلاة التكبير و القراءة و الركوع و السجود و التشهد مطلقا علم بها المكلف أم لا، و تجب السورة إذا علم بجزئيتها». و هذا التحديد نشأ من حكومة حديث الرفع على أدلة الأجزاء و الشرائط حكومة ظاهرية موجبة لاختصاص الجزئية بحال العلم بها على نحو لا يلزم التصويب؛ كما مر في بحث أصل البراءة، كما أن إطلاق دليل الجزئية لحالتي التذكر و النسيان يتقيد بفقرة «رفع النسيان» بصورة التذكر.