دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٦٨ - التنبيه الرابع في حكم ملاقي بعض أطراف العلم الإجمالي
المعلوم بالعلم الإجمالي «و لذا استدل السيد أبو المكارم في الغنية [١] على تنجس الماء القليل بملاقاة النجاسة بما دل على وجوب هجر النجاسات في قوله تعالى: وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ [٢]. و يدل عليه أيضا ما في بعض الأخبار من الاستدلال على حرمة الطعام الذي ماتت فيه فارة بأن الله سبحانه حرم الميتة، فإذا حكم الشارع بوجوب هجر كل واحد من المشتبهين فقد حكم بوجوب هجر كل ما لاقاه ...» [٣].
و كيف كان؛ فلا بد أوّلا من بيان ما استدل به على توهم وجوب الاجتناب عن الملاقي، و ثانيا من الجواب عن الاستدلال عليه.
و حاصل الاستدلال على التوهم هو: دعوى الملازمة بين المتلاقيين في الحكم، و قد قيل في وجه ذلك أمران:
أحدهما: ظهور الآية المباركة في الملازمة بين وجوب هجر عين النجس و الاجتناب عنه، و بين وجوب هجر ما يلاقيه، و لو لا هذا الظهور لم يتجه استدلال السيد أبي المكارم «(قدس سره)»- على انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة و وجوب الاجتناب عنه- بالآية الشريفة.
وجه الظهور: لزوم هجر النجس بتمام شئونه و توابعه، و من توابعه ملاقيه فيجب هجره أيضا.
ثانيهما: رواية جابر الجعفي عن أبي جعفر «(عليه السلام)» قال «أتاه رجل فقال: وقعت فارة في خابية فيها سمن أو زيت، فما ترى في أكله؟ قال: فقال أبو جعفر «(عليه السلام)»: لا تأكله، فقال له الرجل: الفارة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها، فقال «(عليه السلام)»: إنك لم تستخف بالفارة و إنما استخففت بدينك، إن الله حرّم الميتة من كل شيء» [٤].
و تقريب دلالتها على المدعى- أعني به: كون نجاسته الملاقي للميتة عين نجاسة الميتة و حرمته عين حرمتها- هو: أن الإمام «(عليه السلام)» علل حرمة أكل السمن الملاقي للميتة بقوله: «إن الله حرم الميتة من كل شيء»، فلو لا أن وجوب الاجتناب عن الشيء مستلزم لوجوب الاجتناب عن ملاقيه أيضا لم يكن لهذا التعليل وجه، ضرورة: أن أكل الطعام
[١] غنية النزوع: ٤٢.
[٢] المدثر: ٥.
[٣] فرائد الأصول ٢: ٢٣٩.
[٤] تهذيب الأحكام ١: ٤٢٠/ ١٣٢٧، الاستبصار ١: ٢٤/ ٦٠.