دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٩٠ - دوران الأمر بين المحذورين أو يقال «أصالة التخيير»
لعدم (١) نهوض حجة على أحدهما تفضيلا، بعد نهوضها عليه إجمالا ففيه وجوه (٢):
النزاع أولا؛ لعدم جريان جميع الأقوال فيه، و ثانيا: لإمكان المخالفة القطعية، و محل النزاع ما إذا كان كل من المخالفة القطعية و الموافقة القطعية متعذرة.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن محل النزاع ما إذا كان كلا الحكمين توصليا، أو أحدهما غير المعين تعبديا. هذا بخلاف ما يظهر من كلام الشيخ «(قدس سره)»، حيث اعتبر التوصيلة في كلا الحكمين.
(١) تعليل لقوله: «دار»، و ضمير «عليه» راجع على أحدهما، و قوله: «ففيه» جواب «إذا».
(٢) يعني ففي دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة وجوه؛ بل أقوال في وجوه المسألة و بيان المختار منها.
الأول: الحكم بالبراءة شرعا و عقلا، نظير الشبهات البدوية عينا؛ و ذلك لعموم أدلة الإباحة الشرعية، و حكم العقل بقبح المؤاخذة على كل من الفعل و الترك جميعا. و قد أشار إليه المصنف «(قدس سره)» بقوله: «الحكم بالبراءة عقلا و نقلا ...» الخ.
و العلم بأصل الإلزام ليس باعثا و لا زاجرا كما هو واضح، فتجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان بلا مانع. و أما البراءة النقلية: فلأن مثل حديثي الرفع و الحجب لا يختص بما إذا كان أحد طرفي الشك في حرمة شيء هو الإباحة كشرب التتن، حتى يختص بالشبهة البدوية؛ بل يعم ما إذا علم جنس الإلزام و لم يعلم النوع الخاص منه، فالوجوب المشكوك فيه مرفوع كحرمة الحرمة المحتملة.
الثاني: وجوب الأخذ بجانب الحرمة تعيينا لوجوه:
أولها: لقاعدة الاحتياط، حيث يدور الأمر فيه بين التعيين و التخيير، فإن مقتضاها:
تقديم احتمال التحريم و البناء عليه في مرحلة الظاهر، و المقام من موارد الدوران المذكور، فيقدم احتمال التحريم.
ثانيها: الأخبار الآمرة بالتوقف عند الشبهة، بناء على كون المراد منه عدم الدخول في الشبهة و السكون عندها، فتدل على وجوب ترك الحركة نحو الشبهة، و هو معنى تقديم احتمال الحرمة.
ثالثها: حكم العقل و العقلاء بتقديم دفع المفسدة على جلب المنفعة عند دوران الأمر بينهما، فاللازم رعاية جانب المفسدة الملزمة و ترك الفعل المشكوك حكمه؛ و إن استلزم فوت المصلحة الملزمة الواقعية.