دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٤٧ - في تصحيح الاحتياط في العبادة مع الشك في الأمر
الإشكال؛ و لو قيل (١) بكونه موجبا لتعلق الأمر به شرعا، بداهة (٢): توقفه على ثبوته توقف العارض على معروضه، فكيف يعقل أن يكون من مبادئ ثبوته (٣)؟
فالمتحصل: أن حسن الاحتياط عقلا لا يدل بقاعدة الملازمة على تعلق الأمر المولوي به أولا؛ إذ الأمر المتعلق بالاحتياط كالأمر بالإطاعة الحقيقية إرشادي، و من الواضح: أن الأمر الإرشادي لا يصلح للتقرب به. هذا تمام الكلام في الوجه الأول.
و أما الوجه الثاني- و هو لزوم الدور- فلأن الحسن عارض على الاحتياط، و الاحتياط معروض له، فيجب أن يكون الاحتياط مقدما على الحسن؛ إذ كل معروض مقدم على العارض هذا من ناحية، و من ناحية أخرى: أن الاحتياط متأخر عن الأمر، لأن الاحتياط يتوقف على الأمر؛ إذ لو لا الأمر لم يكن الاحتياط احتياطا، فكيف يمكن أن يؤثر الحسن المتأخر عن الاحتياط في الأمر المتقدم عليه.
و بتقريب آخر: أن الأمر يتوقف على حسن صلاة الجمعة مثلا، و حسنها يتوقف على أن تكون الصلاة احتياطا، و كونها احتياطا يتوقف على قصد القربة؛ إذ بدون قصد القربة لا تكون صلاة. و قصد القربة يتوقف على الأمر فالأمر يتوقف على الأمر.
(١) هذا إشارة إلى الوجه الأول الذي عرفت توضيحه.
(٢) تعليل لقوله: «لا يكاد يجدي»، و بيان للوجه الثاني و هو لزوم الدور. و قد عرفت توضيحه.
و ضمير «توقفه» راجع على الأمر بالاحتياط، و ضمير «ثبوته» راجع على الاحتياط، و «توقف العارض» مفعول مطلق نوعي، يعني: أن الأمر بالاحتياط عارض على الاحتياط، فيتوقف على ثبوت الاحتياط؛ لكونه متأخرا عنه كما هو الحال في جميع العوارض بالنسبة إلى معروضاتها، سواء كان ذلك في الوجود الخارجي كالبياض العارض على الجسم، أم في عارض الوجود الذهني كالجنسية و النوعية في قولنا؛ الحيوان جنس و الإنسان نوع.
و بالجملة: فالأمر بالاحتياط لكونه عارضا عليه متوقف على الاحتياط و متأخرا عنه، فلا يعقل أن يكون الأمر من مبادئ وجود الاحتياط و متقدما عليه.
(٣) أي: الاحتياط. و اسم «يكون» ضمير مستتر راجع على الأمر، يعني: كيف يعقل أن يكون الأمر من مبادئ ثبوت الاحتياط و علل وجوده، مع أنه متأخر عن الاحتياط كما عرفت وجهه؟.