الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٣٧ - الباب السّابع في حكايات مكارمهم الكثيرة، و مراحمهم الشّهيرة
عليّ من جلائل أموالهم شيئا كثيرا، فامتنعت، و عرضوا عليّ الزّاد فأبيت، و خفرتهم حتّى وصلوا إلى مأمنهم، فلمّا ظفر بي أمير المؤمنين، و أودعني سجنه، و شدّد عليّ في الحديد، و الحرس، و مضى لذلك مدة دخل عليّ السّجان يوما، فقال لي: امرأتان بالباب يزعمان أنّهما من أهلك، و قد بذلا لي مالا على أن أوصلهما إليك، فقلت: أنّه لا أهل لي بالعراق، ثمّ قلت: لعل بعض أهلي بالحجاز قد توصل إلى كشف حالي، فقلت للسجان: مرهما بالدخول فدخلتا، فإذا هي تلك المرأة صاحبة الهودج، و معها جارية تحمل شيئا فأكبت على قدمي تقبّلها، و تبكي، ثمّ قالت: يا مولاي يعزّ علىّ ما نالك، و أكبر من ذلك عليّ أنني لا أستطيع حمل ذلك عنك، ثمّ أنّها تناولت من جاريتها ما معها، فإذا هو قماش حسن نظيف، و خمسمائة دينار، و من أطيب المأكول، و قالت يا سيدي: أنفق هذا عليك في هذا الاسبوع إلى أن آتيك، و و اللّه لأساعدنّك على الفرج، و لو بذهاب روحي، ثمّ ذهبت، و قد أضرمت بقلبي نارا قدحتها تلك النّظرة الاولى، و قد أذكرني برق ثناياها، برق ثنايا الحجاز فقلت:
و بدا له من بعد ما اندمل الهوى* * * برق تألق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرّداء و دونه* * * صعب الذّراء متمنع أركانه
فدنا لينظر أين لاح فلم يطق* * * نظرا إليه و ردّه سجانّه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه* * * و الماء ما سحت به أجفانه
ثمّ لم تزل تتعاهدني تلك الفتاة بأضعاف ذلك من البر، و الألطاف، و التّحف مأكلا، و مشربا، و ملبسا إلى أن فرّج اللّه عني، و أطلقني أمير المؤمنين من سجنه، و أسلمني إلى سجن هواها، فخطبتها من أبيها فأمتنع.
و قد جئتك راغبا في أن تساعدني على هذا الخطب، فقلت له: طب أيّها الأمير نفسا، فإنّ أباها من صنائعي، و لأبلغن رضاك إن شاء اللّه تعالى، ثمّ ركبت من وقتي