الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٩ - أوّل قياس هو قياس الشيطان
و الاجتناب من أحدهما سهل، و من الآخر صعب و شاق جدّا، هذا مضافا إلى أنه ليست فلسفة الحكم الأوّل معلومة لنا بالكامل، فمثل هذا القياس ليس سوى قياس تخميني لا أكثر.
و لهذا السبب منع أئمّتنا عليهم السّلام من القياس بشدّة، استلهاما من كلام النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أبطلوه، لأنّ فتح باب القياس يتسبب في أن يعمد كل أحد بالاعتماد على دراسته المحدودة و فكره القاصر و بمجرّد أن يعتبر موضوعين متساويين من بعض الجهات ... أن يعمد إلى إجراء حكم الأوّل على الثاني، و بهذا تتعرض قوانين الشرع و أحكام الدين إلى الهرج و المرج.
إنّ بطلان القياس عقلا ليس مقصورا على القوانين الدينية فحسب، فالأطباء هم أيضا يؤكّدون في توصياتهم على أن لا تعطى و صفة أيّ مريض لمريض آخر مهما تشابها من بعض النواحي، و فلسفة هذا النهي واضحة، لأنّه قد يتشابه المريضان في نظرنا من بعض النواحي، و لكن مع ذلك يتفاوتان من جهات عديدة، مثلا من جهة القدرة على تحمّل الدواء، و فئة الدم، و مقدار السكر في الدم، و لا يستطيع الأشخاص العادّيون من الناس أن يشخّصوا هذه الأمور، بل تشخيصها يختص بالأطباء و ذوي الاختصاص في الطب، فلو أعطيت أدوية مريض لآخر دون ملاحظة هذه الخصوصيات، فمضافا إلى احتمال عدم الانتفاع بها، فإنّها ربّما تكون منشأ لسلسلة من الأخطار غير القابلة للجبران.
و الأحكام الإلهية أدقّ من هذه الجهة، و لهذا جاء في الأحاديث و الأخبار أنه لو عمل بالقياس لمحق الدين، أو كان فساده أكثر من صلاحه [١].
أضف إلى ذلك أنّ اللجوء إلى القياس لاكتشاف الأحكام و معرفتها دليل على قصور الدين، لأنّه إذا كان لكل موضوع حكم في الدين لم يكن أية حاجة إلى القياس، و لهذا فإنّ الشيعة حيث أنّهم أخذوا جميع احتياجاتهم من الأحكام
[١]- وسائل الشيعة، المجلد ١٨، باب القياس.