الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٩ - التّفسير
الرسالة الملقاة على عاتقه، و لا من ناحية ردود فعل المعارضين و الأعداء الألدّاء تجاه دعوته، و لا من ناحية النتيجة المتوقعة من تبليغه و دعوته.
هذا و يمكن إدراك المشكلات التي كانت تعرقل حركة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إدراكا كاملا إذا عرفنا أن هذه السورة من السور المكّية، و نحن و إن كنّا نعجز عن تصوّر جميع الجزئيات و التفاصيل المرتبطة بحياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صحبه في المحيط المكي، و في مطلع الدّعوة الإسلامية، و لكن مع الالتفات إلى حقيقة أن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان عليه أن يقوم بنهضة ثورية في جميع المجالات و الأصعدة في تلك البيئة المتخلفة جدا و في مدّة قصيرة، يمكن أن نتصور على نحو الإجمال أبعاد و أنواع الصعاب التي كانت تنتظره.
و على هذا الأساس يكون من الطبيعي أن يعمد اللّه سبحانه إلى تسلية النّبي و تطمينه بأن لا يشعر بالضيق و الحرج، و أن يطمئنّ إلى نتيجة جهوده.
ثمّ يضيف تعالى في الجملة اللاحقة أن الهدف من نزول هذا الكتاب العزيز هو إنذار الناس و تحذيرهم من عواقب نواياهم و أعمالهم الشريرة، و تذكير المؤمنين الصادقين، إذا يقول: لِتُنْذِرَ بِهِ وَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [١].
هذا و مجيء قضية «الإنذار» في صورة الأمر العام الموجّه للجميع، و اختصاص «التذكير» بالمؤمنين خاصّة، إنّما هو لأجل أنّ الدعوة إلى الحق، و مكافحة الانحرافات يجب أن تتمّ بصورة عامّة و شاملة، و لكن من الواضح أنّ المؤمنين هم وحدهم الذين ينتفعون بهذه الدعوة، أولئك الذين تتوفر لديهم أرضيات مستعدّة لقبول الحق، و قد أبعدوا عن أنفسهم روح العناد و اللجاج و سلّموا أمام الحقائق.
[١]- و على هذا الأساس فإن جملة «لتنذر» تتعلق ب «أنزل» و ليس بجملة «فلا يكن» و لعل جعل هذه الجملة (أي جملة لتنذر) بعد جملة «فلا يكن في صدرك حرج» لأجل أنّه يجب أوّلا إعداد النّبي في طريق الدعوة، ثمّ اقتراح الهدف و هو الإنذار عليه (تأمل جيدا).