الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٠ - ٢- ما معنى «إنّا لصادقون»؟
كان من جانب إسرائيل (يعقوب)، لأن يعقوب- كما جاء في الآية (٩٣) من سورة آل عمران- لم يحكم بحرمة هذه الأشياء أبدا، و ليس هذا سوى تهمة ألصقتها اليهود به.
و لما كان عناد اليهود المشركين أمرا بيّنا، و كان من المحتمل أن يتصلّبوا و يتمادوا في تكذيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أمر اللّه تعالى نبيّه في الآية الاخرى أنّهم إن كذّبوه يقول لهم: إنّ ربّكم ذو رحمة واسعة فهو لا يسارع إلى عقوبتكم و مجازاتكم، بل يمهلكم لعلكم تؤوبون إليه، و ترجعون عن معصيتكم، و تندمون من أفعالهم و تعودون إلى اللّه، فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ.
و لكن إذا أساؤوا فهم أو استخدام هذا الإمهال الإلهي، و استمروا في كيل التهم فيجب أن يعلموا أنّ عقاب اللّه إيّاهم حتميّ لا مناص منه، و سوف يصيبهم غضبه في المال: وَ لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.
إنّ هذه الآية تكشف- بوضوح- عن عظمة التعاليم القرآنية، فإنّه بعد شرح و بيان كل هذه المخالفات التي ارتكبها اليهود و المشركون لا يعمد إلى التهديد بالعذاب فورا، بل يترك طريق الرجعة مفتوحا، و ذلك بذكر عبارات تفيض بالحب مثل قوله: «ربّكم» «ذو رحمة» «واسعة» أوّلا. حتى إذا كان هناك أدنى استعداد للرجوع و الإنابة في نفوسهم شوّقتهم هذه العبارات العاطفية على العودة إلى لطريق المستقيم.
و لكن حتى لا تبعث سعة الرحمة الإلهية هذه على التمادي في غيهم، و تتسبّب في تزايد جرأتهم و طغيانهم، و حتى يكفوا على العناد و اللجاج هدّدهم في آخر جملة من الآية بالعقوبة الحتمية.