الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٤ - الذين اتّخذوا الدّين لعبا
الاعتناء بهم، و في أحيان أخرى قد يقتضي الأمر الجهاد و التوسل بالسلاح، أمّا القول بأنّ آيات الجهاد قد نسخت هذه الآية فغير صحيح.
و تشير هذه الآية إلى أنّ سلوكهم الحياتي من حيث المحتوى أجوف و واه، فهم يطلقون اسم الدين على بعض الأعمال التي هي أشبه بلعب الأطفال و مجمون الكبار، فهؤلاء غير جديرين بالمناقشة و المباحثة، و عليه يؤمر النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأن يعرض عنهم و لا يعتني بدينهم الفارغ.
يتضح ممّا قلنا أنّ «دينهم» يعني «دين الشرك و عبادة الأصنام» الذي كانوا يدينون به، أمّا القول بأنّ المقصود هو «الدين الحق» و إنّ إضافة الدين إليهم يستند إلى كون الدين فطريا، فيبدو بعيد الاحتمال.
و الاحتمال الآخر في تفسير الآية هو أن القرآن يشير إلى جمع من الكفار الذين كانوا يتعاملون مع دينهم كألعوبة و ملهاة، و لم ينظروا أبدا إلى الدين كأمر جاد يستوجب إمعان الفكر و التأمل، أي أنّهم كانوا لا يؤمنون حقيقة حتى في معتقدات شركهم، و لم يقيموا وزنا حتى لدينهم الذي لا أساس له.
على كل حال فالآية لا تخص الكفار وحدهم، بل هي تشمل جميع الذين يتخذون من الأحكام الإلهية و من المقدسات وسائل للتلهي و ملء الفراغ و بلوغ الأهداف المادية الشخصية، أولئك الذين يجعلون الدين آلة الدنيا، و الأحكام الإلهية العوبة أغراضهم الخاصّة.
ثمّ يؤمر الرّسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن ينبّههم إلى أعمالهم هذه و إلى أنّ هناك يوما لا بدّ لهم أن يستسلموا فيه لنتائج أعمالهم و لن يجدوا من ذلك مفرا: وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ [١].
[١]- «البسل» هو حفظ الشيء و منعه بالقوة و القهر، و الإبسال حمل المرء على التسليم، كما تطلق الكلمة على الحرمان من الثواب، أو أخذ الرهائن، و الجيش الباسل بمعنى القاهر الذي يحمل العدو على التسليم، و المعنى في الآية هو تسليم المرء و خضوعه لأعماله السيئة.