الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩٣ - وساوس شيطانيّة في حلل خلّابة
الواسعة، و محبته و لطفه- كان من اللازم أن يبدّد كل الوساوس و يقاومها، و لا يسلّم للشيطان، إلّا أنه قد وقع ما وقع على كل حال.
و بمجرّد أن ذاق آدم و زوجته من تلك الشجرة الممنوعة تساقط عنهما ما كان عليهما من لباس و انكشفت سوءاتهما فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما.
و يستفاد من العبارة أعلاه أنّهما بمجرّد أن ذاقا من ثمرة الشجرة الممنوعة أصيبا بهذه العاقبة المشؤومة، و في الحقيقة جرّدا من لباس الجنّة الذي هو لباس الكرامة الإلهية لهما.
و يستفاد من هذه الآية جيدا أنّهما قبل ارتكابهما لهذه المخالفة لم يكونا عاريين، بل كانا مستورين بلباس لم يرد في القرآن ذكر عن حقيقة ذلك اللباس و كيفيته، و لكنّه على ايّ حال كان يعدّ علامة لشخصية آدم و حواء و مكانتهما و احترامهما، و قد تساقط عنهما بمخالفتهما لأمر اللّه، و تجاهلهما لنهيه.
على حين تقول التّوراة المحرفة: إنّ آدم و حواء كانا في ذلك الوقت عاريين بالكامل، و لكنّهما لم يكونا يدركان قبح العري، و عند ما ذاقا و أكلا من الشجرة الممنوعة التي كانت شجرة العلم و المعرفة، انفتحت أبصار عقولهما، فرأيا عريهما، و عرفا بقبح هذه الحالة.
إنّ آدم الذي تصفه التّوراة لم يكن في الواقع إنسانا، بل كان بعيدا من العلم و المعرفة جدا، إلى درجة أنّه لم يكن يعرف حتى عريه.
و لكن آدم الذي يصفه القرآن الكريم، لم يكن عارفا بوضعه فحسب، بل كان واقفا على أسرار الخلقة أيضا (علم الأسماء)، و كان يعدّ معلّم الملائكة، و إذا ما استطاع الشيطان أن ينفذ فيه فإنّ ذلك لم يكن بسبب جهله، بل استغلّ الشيطان صفاء نيّته، و طيب نفسه.
و يشهد بهذا القول الآية (٢٧) من نفس هذه السورة، و التي تقول: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما.