الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩٢ - وساوس شيطانيّة في حلل خلّابة
خالدا أو نيل درجة الملائكة.
و الشاهد على هذا الكلام هو العبارة التي قالها إبليس في سورة طه الآية ١٢٠: يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى.
فقد جاء في رواية رويت في تفسير القمي عن الإمام الصادق عليه السّلام، و في «عيون أخبار الرضا» عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام: فجاء إبليس فقال:
«إنّكما إن أكلتما من هذه الشجرة التي نهاكما اللّه عنها صرتما ملكين، و بقيتما في الجنّة أبدا، و إن لم تأكلا منها أخرجكما اللّه من الجنّة» [١].
و لما سمع آدم هذا الكلام غرق في التفكير، و لكنّ الشيطان- من أجل أن يحكم قبضته و يعمّق وسوسته في روح آدم و حواء- توسّل بالأيمان المغلّظة للتدليل على أنه يريد لهما الخير! وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ.
لم يكن آدم يمتلك تجربة كافية عن الحياة، و لم يكن قد وقع في حبائل الشيطان و خدعه بعد، و لم يعرف بكذبه و تضليله قبل هذا، كما أنّه لم يكن في مقدوره أن يصدّق بأن يأتي بمثل هذه الايمان المغلّظة كذبا، و ينشر مثل هذا الحبائل و الشباك على طريقه.
و لهذا وقع في حبال الشيطان، و انخدع بوسوسته في المآل، و نزل بحبل خداعه المهترئ في بئر الوساوس الشيطانية للحصول على ماء الحياة الخالدة و الملك الذي لا يبلى، و لكنّه ليس فقط لم يظفر بماء الحياة كما ظنّ، بل سقط في ورطة المخالفة و العصيان للأوامر الإلهية، كما يعبّر القرآن عن ذلك و يلخصه في عبارة موجزة إذ يقول: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [٢].
و مع أن آدم- نظرا لسابقة عداء الشيطان له، و مع علمه بحكمة اللّه و رحمته
[١]- نور الثقلين، المجلد الثاني، ص ١٣.
[٢]- دلّى من مادة التدلية و تعني إرسال الدلو في البئر بحبل تدريجا، و هذه- في حقيقتها- كناية لطيفة عن أنّ الشيطان أنزل بحبل مكره و خداعه آدم و زوجته من مقامهما الرفيع، و أرسلهما إلى قعر بئر المشكلات و الابتعاد عن الرحمة الإلهية.