الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩١ - وساوس شيطانيّة في حلل خلّابة
إنّما خلقا أوّلا ثمّ هديا إلى السكنى في الجنّة و أنّ القرائن تفيد- كما أسلفنا في ذيل الآيات المتعلقة بقصة خلق آدم في سورة البقرة- أن تلك الجنّة لم تكن جنّة القيامة، بل هي- كما ورد في أحاديث أهل البيت عليهم السّلام أيضا جنّة الدنيا، أي أنّها كانت بستانا جميلا أخضر من بساتين هذا العالم، وفّر اللّه سبحانه فيها جميع أنواع النعم و الخيرات.
و في هذه الأثناء صدر أوّل تكليف و أمر و نهي إلى آدم و حواء من جانب اللّه تعالى، بهذه الصورة: فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ أي أنّ الأكل من جميع أشجار هذه الجنّة مباح لكما، إلّا شجرة خاصّة لا تقرباها، و إلّا كنتما من الظالمين.
ثمّ إنّ الشيطان الذي طرد من رحمة اللّه تعالى بسبب إحجامه عن السجود لآدم، و كان قد صمّم على أن ينتقم لنفسه من آدم و بنيه ما أمكن، و يسعى في إضلالهم ما استطاع، و كان يعلم جيدا أنّ الأكل من الشجرة الممنوعة تعرّض آدم للإخراج من الجنّة، عمد إلى الوسوسة لآدم و زوجته، و بغية الوصول إلى هذا الهدف نشر شباكا متنوعة على طريقهما.
ففي البداية- و كان يقول القرآن الكريم- بدأ بنزع لباس الطاعة و العبودية للّه، عنهما، فأبدى عورتهما التي كانت مخبأة مستورة: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما.
و للوصول إلى هذا الهدف رأى أنّ أفضل طريق هو أن يستغلّ حبّ الإنسان و رغبته الذاتية في التكامل و الرقي و الحياة الخالدة، و ليوفّر لهما عذرا يعتذران و يتوسلان به لتبرير مخالفتهما لأمر اللّه و نهيه، و لهذا قال لآدم و زوجته: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ.
و بهذه الطريقة صوّر الأمر الإلهي في نظرهما بشكل آخر، و صوّر المسألة و كأنّ الأكل من «الشجرة الممنوعة» ليس غير مضرّ فحسب، بل يورث عمرا