الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٧ - فلسفة خلق الشيطان و حكمة إمهاله
الإمهال، و تأخير الأجل؟
و قد أجبنا على السؤال الأوّل في المجلد الأوّل من تفسيرنا هذا (الأمثل) و قلنا:
أوّلا: إنّ خلق الشيطان كان في بداية الأمر خلقا جيدا، لا عيب فيه، و لهذا احتل موقعا في صفوف المقرّبين إلى اللّه، و بين ملائكته العظام، و إن لم يكن من جنسهم ثمّ إنّه بسوء تصرّفه في حريته بنى على الطغيان و التمرد، فطرد من ساحة القرب الإلهي، و اختصّ باسم الشيطان.
ثانيا: إنّ وجود الشيطان ليس غير مضرّ بالنسبة سالكي طريق الحقّ فحسب، بل يعدّ رمزا لتكاملهم أيضا، لأنّ وجود مثل هذا العدوّ القويّ في مقابل الإنسان يوجب تربية الإنسان و تكامله و حنكته، و أساسا ينبثق كل تكامل من بين ثنايا التناقضات و التدافعات، و لا يسلك أي كائن طريق كماله و رشده إلّا إذا واجه ضدا قويا، و نقيضا معاندا.
فتكون النتيجة أنّ الشيطان و إن كان بحكم إرادته الحرّة مسئولا تجاه أعماله المخالفة، و لكن وساوسه لن تضرّ عباد اللّه الذين يريدون سلوك طريق الحقّ، بل يكون مفيدا لهم بصورة غير مباشرة.
و الجواب على السؤال الثاني يتضح ممّا قلناه في الجواب على الاعتراض الأوّل، لأنّ مواصلة الشيطان لحياته كقضية سلبية يكون وجودها ضروريا لتقوية نقاط إيجابية، لا يكون غير مضرّ فحسب، بل هو مؤثّر و مفيد أيضا، فإنّه مع غضّ النظر عن الشيطان، هناك مجموعة من الغرائز المختلفة في داخلنا، و هي بوقوفها في الطرف الآخر من قوانا العقلية و الروحية تشكّلان ساحة صراح و تناقض قويّين، و في مثل هذه الساحة يتحقق تقدم الإنسان و تكامله، و تربيته و رشده.
و استمرار حياة الشيطان- هو الآخر- لتقوية عوامل هذا التناقض المثمر المفيد.
و بعبارة أخرى: إنّ الطريق المستقيم يتميّز دائما بالالتفات إلى الطرق