الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٥ - إبليس أوّل القائلين بالجبر
في شيء من حالاتكم مكرهين و لا إليه مضطرين».
فقال له الشيخ: و كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين و لا إليه مضطرين و كان بالقضاء و القدر مسيرنا و منقلبنا و منصرفنا. (فاستفاد السائل من هذه الإجابة الجبرية).
فقال له عليه السّلام: «أو تظن أنّه كان قضاء حتما و قدرا لازما أنّه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي و الزجر من اللّه تعالى و سقط معنى الوعد و الوعيد فلم تكن لائمة للمذنب و لا محمدة للمحسن و لكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب تلك مقالة اخوان عبدة الأوثان و خصماء الرحمن و حزب الشيطان و قدرية هذه الأمّة و مجوسها ...» [١].
و من هذا يتّضح أنّ أوّل من وقع في ورطة الاعتقاد بالجبر هو الشيطان.
ثمّ إنّ الشيطان أضاف- تأكيدا لقوله- بأنّه لن يكتفي بالقعود بالمرصاد لهم، بل سيأتيهم من كل حدب و صوب، و يسدّ عليهم الطريق من كل جانب ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ.
و يمكن أن يكون هذا التعبير كناية عن أنّ الشيطان يحاصر الإنسان من كل الجهات و يتوسل إلى إغوائه بكل وسيلة ممكنة، و يسعى في إضلاله، و هذا التعبير دارج في المحاورات اليومية أيضا، فنقول: فلان حاصرته الديون أو الأمراض من الجهات الأربع.
و عدم ذكر الفوق و التحت إنّما هو لأجل أنّ الإنسان يتحرك عادة في الجهات الأربع المذكورة، و يكون له نشاط في هذه الأنحاء غالبا.
[١]- حق اليقين في معرفة اصول الدين، ج ١، ص ٧٢.