الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧١ - ما هو ميزان الأعمال يوم القيامة؟
أنّ أكثر الحقائق في هذا العالم تبقى خلف حجب الإبهام و الغموض. تبرز في يوم القيامة بمقتضى قوله تعالى: وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [١] و تنكشف هذه الحقائق و تنجلي للعيان.
و من هنا يتّضح لماذا جاء لفظ الميزان في الآية بصيغة الجمع: «الموازين» لأنّ أولياء اللّه الذين يوزن بهم الأعمال متعددون.
ثمّ إن هناك احتمالا آخر أيضا، و هو أن كل واحد منهم كان متميزا في صفة معينة، و على هذا يكون كل واحد منهم ميزانا للتقييم في إحدى الصفات و الأعمال البشرية، و حيث أن أعمال البشر و صفاتهم مختلفة، لهذا يجب أن تكون المعايير و المقاييس متعددة.
و من هنا أيضا يتّضح أنّ ما جاء في بعض الرّوايات و الأخبار، مثل ما ورد
عن الإمام الصادق عليه السّلام حيث سألوه: ما معنى الميزان؟ قال: «العدل»
لا ينافي ما ذكرناه، لأنّ أولياء اللّه، و الرجال و النساء النموذجيين في هذا العالم هم مظاهر للعدل من حيث الفكر، و العدل من حيث العقيدة، و العدل من حيث الصفات و الأعمال (تأملوا) [٢].
ثمّ إنه تعالى يقول في المقطع الآخر من الآية: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ.
إنّ من البديهي أنّ المراد من الخفّة و الثقل في الموازين ليس هو خفة و ثقل نفس الميزان، بل قيمة و وزن الأشياء التي توزن بواسطة تلك الموازين، و تقاس بتلك المقاييس.
ثمّ إنّ في التعبير بجملة «خسروا أنفسهم» إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة.
[١]- إبراهيم، ٤٨.
[٢]- تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ٥.