الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٨ - هذا هو طريقي المستقيم
و «الحنيف» يعني الشخص أو الشيء الذي يميل إلى جهة ما، و أمّا في المصطلح القرآني فيطلق هذا الوصف على من يعرض عن عقيدة عصره الباطلة و يولي وجهه نحو الدين الحق و العقيدة الحقّة.
و كأنّ هذا التعبير جواب و ردّ على مقالة المشركين الذين كانوا يعيبون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مخالفته للعقيدة الوثنية التي كانت دين أسلافهم من العرب، فقال النّبي في معرض الردّ على مقالتهم هذه، بأنّ نقض السنن الجاهلية و الإعراض عن العقائد الخرافية السائدة في البيئة ليس هو من فعلي فقط، بل كان إبراهيم- الذي نحترمه جميعا- كذلك أيضا.
ثمّ يضيف للتأكيد قائلا: وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بل هو بطل الكفاح ضد الوثنية، و حامل الحرب ضد الشرك، الذي لم يفتأ لحظة واحدة عن محاربته و كفاحه.
إنّ تكرار جملة حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ في عدّة موارد من آيات القرآن الكريم مع قوله: «مسلما» أو بدونها، إنّما هو للتأكيد على هذه المسألة و هي أنّ إبراهيم الذي يفتخر به العرب الجاهليون مبرّأ و منزه عن كل هذه العقائد و الأعمال الخاطئة [١].
الآية اللاحقة تشير إلى أنّه على النّبي أن يقول: إنّي لست موحدا من حيث العقيدة فحسب، بل إني أعمل كل عمل صالح: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، فأنا أحيى للّه، و له أموت، و أفدي بكل شيء لأجله، و كل هدفي و كل حبّي بل كل وجودي له.
و «النسك» يعني في الأصل العبادة، و لذا يقال: للعابد: ناسك، و لكن هذه الكلمة تطلق في الأغلب على أعمال الحج فيقال: مناسك الحج.
و قد احتمل البعض أن يكون الموارد من «النسك» هنا هو «الأضحيّة».
[١]- البقرة، ١٣٥، آل عمران، ٤٧ و ٩٥.