الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٠ - النّور الّذي يضيء في الظلّام
إنّ الظلام بذاته مخيف مثير للأوهام و التخيلات، فهجوم الكثير من الحيوانات الخطرة و سطوة اللصوص و المجرمين يقع تحت جنح الظلام، أنّ لكل امرئ ذكرياته عن هذه الحالات، فعند هبوط الظلام تنشط الأوهام و تخرج منها الأشباح المرعبة، فيستولي الخوف و الهلع على العامّة من الناس.
الظلام من العدم، و الإنسان يهرب بطبيعته من العدم و يخافه، و لهذا نراه يخاف الظلام.
و إذا حدثت في هذا الظلام حوادث واقعية مرعبة، كأن يكون الإنسان مسافرا في البحر، و تحاصره في ليلة ظلماء الأمواج الهائلة و الدوامات المائية، فإنّ خوفه من ذلك يكون أضعاف ما لو حدث ذلك بالنهار، لأنّ الإنسان في مثل هذه الظروف يجد أبواب النجاة مسدودة في وجهه، و هكذا لو كان في ليلة حالكة الظلام يسير في الصحراء فيضل الطريق و يسمع زمجرة الوحوش المفترسة من هنا و هناك و هي تبحث عن فريسة، في مثل هذه اللحظات ينسى الإنسان كل شيء و لا يعود يتذكر شيئا سوى نفسه، و النّور الذي يسطع في أعماقه و يجذبه نحو المبدأ قادر على إزالة ما يعتوره من بلاء و ضيق، هذه الحالات تفتح نوافذ على عالم التوحيد و معرفة اللّه، لذلك يقول في أمثال هذه الحالات: تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً.
و تعقدون- و أنتم في تلك الحالة- عهدا و ميثاقا على أنفسكم، و تقولون:
لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
ثمّ تأمر الآية النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يخبرهم أنّ اللّه سوف ينجيهم من هذه و من غيرها من الأخطار، و قد فعل ذلك من قبل مرارا، و لكنّهم بعد زوال الخطر عنهم يعودون إلى طريق الشرك و الكفر: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ.