الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٢ - أسرار الغيب
تشرع الآية في الكلام على علم اللّه فتقول: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ.
«مفاتح» جمع «مفتح» (بكسر الميم و فتح التاء) و هو المفتاح، أمّا إذا كانت بفتح الميم فهي بمعنى الخزانة التي تختزن فيها الأشياء.
و على الأوّل يكون المعنى: إنّ جميع مفاتيح الغيب بيد اللّه.
و على الثّاني يكون المعنى: إنّ جميع خزائن الغيب بيد اللّه.
و يحتمل أن يكون المعنيان قد اجتمعا في عبارة واحدة، و كما هو ثابت في علم الأصول، فإن استعمال لفظة واحدة لعدة معان لا مانع منه، و على كل حال فهاتان الكلمتان متلازمتان، لأنّه حيثما كانت الخزانة كان المفتاح.
و أغلب الظن أنّ «مفاتح» بمعنى «مفاتيح» لا بمعنى «خزائن» لأنّ الهدف هو بيان علم اللّه، فتكون المفاتيح وسائل لمعرفة مختلف الذخائر و هو أنسب بالآية، و في موضعين آخرين في القرآن ترد كلمة «مفاتح» بمعنى المفاتيح [١].
ثمّ لتوكيد ذلك أكثر يقول: وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ.
«البرّ» كل مكان واسع فسيح، و تطلق على اليابسة، «و البحر» كذلك تعني المحل الواسع الذي يتجمع فيه الماء، و تطلق على البحار و المحيطات و على الأنهر العظيمة أحيانا.
فالقول بأنّ اللّه يعلم ما في البر و البحر، كناية عن إحاطته بكل شيء، و هذه الإحاطة بما في البرّ و البحر إنّما تمثل في الحقيقة جانبا من علمه الأوسع.
فهو عالم بحركة آلاف الملايين من الكائنات الحية، الكبيرة و الصغيرة، في أعماق البحار.
و هو عالم بارتعاش أوراق الأشجار في كل غابة و جبل.
و هو عالم بمسيرة كل برعمة و تفتح أوراقها.
[١]- ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (القصص، ٧٦) و أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ (النّور، ٦١).