الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٩ - بحوث
قوم نوح عليه السّلام طلبوا منه ذلك قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [١] و نظير ذلك جاء على لسان قوم صالح [٢] و كذلك فعل قوم عاد مع نبيّهم هود [٣].
و يستفاد من سورة الإسراء أنّ هذا الطلب قد تكرر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، حتى أنّهم قالوا له: إننا لا نؤمن لك أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [٤].
كان الدافع إلى هذه الطلبات غير المعقولة السخرية و الاستهزاء، أو الرغبة في رؤية المعجزة، و في كلتا الحالتين كان الطلب أحمقا، إذ في الحالة الثانية يكون تحقق الطلب سببا في إبادتهم، و لا يكون ثمّة مجال للاستفادة من ظهور المعجزة، و في الحالة الأولى كان لدى الأنبياء أدلة بينة توفر- على الأقل- احتمال التصديق عند كل ناظر بصير، فكيف يمكن مع هذا الاحتمال أن يطلب أحد القضاء على نفسه، أو أن لا يأخذ المسألة مأخذ الجد، غير أنّ التعصب و العناد بلاء عظيم يقفان بوجه كل فكر و منطق.
٢- إنّ معنى إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ واضح، أي أنّ كل أمر في عالم الخلق و التكوين و في عالم الأحكام و التشريع بيد اللّه، و بناء على ذلك إذا كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقوم بمهمّة فذلك أيضا بأمر من اللّه.
فإذا أحيا المسيح عليه السّلام ميتا- مثلا- فهو بإذن اللّه، و كذلك كل منصب- بما في ذلك القيادة الإلهية و التحكيم و القضاء- إذا أوكل إلى أحد، فإنّما هو بأمر اللّه تعالى.
و لكنّ الذي يؤسف له أنّ هذه الآية الواضحة استغلت على مدى التّأريخ، فمرّة تمسك بها الخوارج في قضية «الحكمين» التي أرادوها هم و أمثالهم في
[١]- هود، ٣٢.
[٢]- الأعراف، ٧٧.
[٣]- الأعراف، ٧٠.
[٤]- الإسراء، ٩١.