الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٧ - الإصرار العقيم
جملة «نهيت» التي وردت بصيغة الماضي و مبنية للمجهول تشير إلى أنّ النهي عن عبادة الأصنام ليس أمرا جديدا، بل كان دائما قائما و سيبقى كذلك.
ثمّ بجملة قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ يجيب بوضوح على إصرارهم العقيم، بالنظر لأنّ عبادة الأصنام لا تتفق مع المنطق و لا مع الأدلة العقلية، لأنّ العقل يدرك بسهولة أن الإنسان أشرف من الجماد، فكيف يمكن للإنسان أن يخضع لأي مخلوق آخر فضلا عن المخلوق الأدني؟ هذا مع أنّ هذه الأصنام هي من صنع الإنسان نفسه فكيف يتخذ الإنسان ما خلقه بنفسه معبودا يعبده و يلجأ إليه في كل مشاكله؟ و بناء على ذلك، فإنّ منشأ عبادة الأصنام ليس سوى التقليد الأعمى و الإتّباع المقيت للأهواء و الشهوات.
و في ختام الآية يؤكّد القرآن مرّة أخرى على أنّه إذا فعل ذلك قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ.
الآية التّالية تتضمّن جوابا آخر، و هو: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ.
«البيّنة» أصلا ما يفصل بين شيئين بحيث لا يكون بينهما تمازج أو اتصال، ثمّ أطلقت على الدليل و الحجة الواضحة، لأنّها تفصل بين الحق و الباطل.
و في المصطلح الفقهي تطلق «البيّنة» على الشاهدين العدلين، غير أنّ معنى الكلمة اللغوي واسع جدا، و شهادة العدل واحد من تلك المعاني، و كذلك كانت المعجزة بيّنة لأنّها تفصل بين الحق و الباطل، و إذا قيل للآيات و الأحكام الإلهية بينات فلكونها من مصاديق الكلمة الواسعة.
و عليه، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يؤمر في هذه الآية أن يقول: إنّ دليلي في قضية عبادة اللّه و محاربة الأصنام واضح و بيّن، و ان تكذيبكم و إنكاركم لا يقللان من صدق الدليل.
ثمّ يشير إلى حجّة واهية أخرى من حججهم، و هي أنّهم كانوا يقولون: إن