الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٢ - معرفة الغيب
لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ.
«الخزائن» جمع الخزينة، بمعنى المكان الذي تخزن فيه الأشياء التي يراد حفظها و إخفاؤها عن الآخرين، و استنادا إلى الآية: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [١] يتّضح أنّ «خزائن اللّه» تشمل مصدر و منبع جميع الأشياء، و هي في الحقيقة تستقي من ذات اللّه اللامتناهية منبع جميع الكمالات و القدرات.
ثمّ تردّ الآية على الّذين كانوا يريدون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يكشف لهم عن جميع أسرار المستقبل، بل و يطلعهم على ما ينتظرهم من حوادث لكي يدفعوا الضرر و يستجلبوا النفع، فتقول: وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ.
سبق أن قلنا إنّه لا يكون أحد مطلعا على كل شيء إلّا إذا كان حاضرا و شاهدا في كل مكان و زمان، و هو اللّه وحده، أمّا الذي يكون وجوده محددا بمكان و زمان معينين فلا يمكن بالطبع أن يطلع على كل شيء، و لكن ما من شيء يحول دون أن يمنح اللّه جزءا من عمله هذا إلى الأنبياء و القادة الإلهيين لإكمال مسيرة القيادة، حسبما يراه من مصلحة، و هذا بالطبع لا يكون علما بالغيب بالذات، بل هو «علم بالغيب بالعرض» أي أنّه تعلم من عالم الغيب.
هنالك آيات عديدة في القرآن تدل على أنّ اللّه لا يظهر علمه هذا للأنبياء و القادة الإلهيين وحدهم، بل قد يظهره لغيرهم أيضا، ففي الآيتين (٢٦ و ٢٧) من سورة الجن نقرأ: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ.
لا شك أنّ مقام القيادة، و خاصة القيادة العالمية العامة، يتطلب الاطلاع على كثير من المسائل الخافية على عامّة الناس، فإذا لم يطلع اللّه مبعوثيه و أولياءه على علمه، فإنّ مراكزهم القيادية لن تكون كاملة (تأمل بدقّة).
[١]- الحجر، ٢١.