الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٣ - معرفة الغيب
و إذا تجاوزنا ذلك، فإنّنا نلاحظ أنّ بعض الكائنات الحيّة لا بدّ لها أن تعلم الغيب للمحافظة على حياتها، فيهبها اللّه ما تحتاجه من علم، فنحن- مثلا- قد سمعنا عن بعض الحشرات التي تتنبأ في الصيف بما سيكون عليه الجو في الشتاء، أي أنّ اللّه قد وهبها هذا العلم بالغيب، لأنّ حياتها ستتعرض لخطر الفناء دون هذه المعرفة، و سوف نفصل هذه الموضوع أكثر إن شاء اللّه عند تفسير الآية (١٨٨) من سورة الأعراف.
في الجملة الثّالثة ردّ على الذين كانوا يتصورون النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ملكا، أو أن يصاحبه ملك، و ان لا يتصف بما يتصف به البشر من تناول الطعام و السير في الطرقات، و غير ذلك، فقال: وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ.
يتّضح من هذه الآية بجلاء أن كل ما عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من علم، و كل ما فعله كان بوحي من السماء، و إنّه لم يكن يفعل شيئا باجتهاده و لا بالعمل بالقياس و لا بأي شيء آخر كما يرى بعض- و إنّما كان يتبع الوحي في كل أمر من أمور الدين.
و في الختام يؤمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ يقول لهم: هل يمكن للذين يغمضون أعينهم و يغلقون عقولهم فلا يفكرون أن ينظر إليهم على قدم المساواة مع الذين يرون الحقائق جيدا و يتفهمونها؟ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ.
إنّ ذكر هذه الجملة في أعقاب الجملات الثلاث السابقة قد يكون لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سبق أن قال: لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ و وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ و لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ بل إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ، و لكن هذا كلّه لا يعني إنّني مثلكم، أيّها المشركون، بل أنا إنسان بصير بالواقع بينما المشرك أشبه بالأعمى، فهل يستويان؟
ثمّة احتمال آخر لربط هذه الجمل، و هو أن الأدلة و البراهين على التوحيد