الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٣ - قدرة اللّه القاهرة
و لكن «الغلبة» أوسع منها و تشمل النصر على الكائنات غير العاقلة أيضا [١].
و عليه إذا كانت الآية السابقة تشير إلى شمول قدرة اللّه إزاء المعبودات الزائفة الأخرى و أصحاب القوّة، فذلك لا يعني أنّه مضطر إلى الدخول مدّة في صراع مع تلك القوى كي يتغلب عليها، بل يعني أنّ قدرته قاهرة، و قد جاء تعبير فَوْقَ عِبادِهِ لتأكيد هذا المعنى.
و على هذا، كيف يمكن لإنسان واع أن يعرض عن ربّ العالمين و يتجه إلى كائنات و أشخاص لا يملكون بذواتهم أية قدرة، و ما يملكونه من قوّة زهيدة إنّما مصدرها اللّه أيضا.
و لإزالة كل و هم قد يخطر لأحدهم بأنّ اللّه قد يسيء استعمال قدرته غير المتناهية كما هو الحال في ذوي القدرة من البشر، يقول القرآن: وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ أي أنّه صاحب حكمة و كل أعماله محسوبة، لأنه خبير و عالم و لا يخطئ في استعمال قدرته أبدا.
و نقرأ في حالات «فرعون» أنّه عند ما هدد بقتل بني إسرائيل، قال: وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ [٢] أي أنّه اتّخذ من قدرته القاهرة- و إن تكن ضعيفة- وسيلة للظلم و غمط حقوق الآخرين، إلّا أنّ اللّه الحكيم الخبير بتلك القدرة القاهرة منزّه عن أن يظلم حتى أصغر مخلوقاته.
و من نافلة القول أنّ تعبير فَوْقَ عِبادِهِ هو التفوق في المقام لا في المكان، إذ ليس للّه مكان محدد.
و من العجيب جدا أنّ بعض ذوي العقول المتحجرة اتّخذ من هذه الآية دليلا على تجسيم اللّه سبحانه، على الرغم من عدم وجود أي شك في أنّ هذا التعبير معنوي يدل على تفوق اللّه من حيث القدرة على عبيده و حتى فرعون- مع كونه
[١]- تفسير «الميزان» ج ٧، ص ٣٤.
[٢]- الأعراف، ١٢٧.