الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٩ - خلق المبررات
وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [١].
يتّضح ممّا قلنا أنّ جملة لَجَعَلْناهُ رَجُلًا لا تعني: أنّنا سنجعله على هيئة انسان، كما تصور بعض المفسّرين، بل تعني: أنّنا نجعله على هيئة البشر في الصفات الظاهرية و الباطنية، ثمّ يستنتج من ذلك أنّهم- في هذه الحالة أيضا- كانوا سيعترضون الاعتراض نفسه، و هو: لماذا أوكل اللّه مهمّة القيادة إلى بشر و أخفى عنّا وجه الحقيقة: وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ.
«اللبس» بمعنى خلط الأمر و جعله مشتبها بغيره خافيا، و «اللبس» بمعنى ارتداء اللباس، و من الواضح أنّ الآية تقصد المعنى الأوّل، أي أنّنا لو أردنا أن نرسل ملكا لوجب أن يكون في صورة الإنسان و سلوكه، و في هذه الحالة سيعتقدون أنّنا خلطنا الأمر على الناس و أوقعناهم في الاشتباه، و لكانوا يشكلون علينا الإشكالات السابقة، بمثل ما يوقعون الجهلة من الناس في الخطأ و الاشتباه و يلبسون وجه الحقيقة عنهم، و عليه فإنّ نسبة «اللبس» و الإخفاء إلى اللّه إنّما هي من وجهة نظرهم الخاصة.
و في الختام يهون الأمر على رسوله و يقولون له: وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
هذه الآية في الواقع تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يطلب اللّه فيها منه أن لا تزعزعه الزعازع، و يهدد في الوقت نفسه المخالفين و المعاندين و يطلب منهم أن يتفكروا في عاقبة أمرهم المؤلمة [٢].
[١]- الضمير «جعلناه» يمكن أن يعود على الرّسول، أو على من يرسل معه لإعانته على تثبيت النبوة و على الاحتمال الثّاني يكون اقتراحهم قد تحقق، و على الأوّل قد تحقق أكثر ممّا طلبوه.
[٢]- «حاق» بمعنى أحاط به و حل به، و «ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» أي ما كانوا يستهزئون به من تهديد و إنذار يسمعونه من أنبياء اللّه مثل إنذار نوح و قومه بوقوع الطوفان، فكان قومه من عبدة الأصنام يسخرون من ذلك. و عليه فلا ضرورة لتقدير كلمة «جزاء» كما يقول بعضهم، إذ يكون المعنى: العقوبات التي كانوا يستهزئون بها حلت بهم.