الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٨ - خلق المبررات
جنس البشر، من جنس الملائكة؟ أ يمكن لإنسان من جنسنا أنّ يحمل بمفرده هذه الرسالة على عاتقه؟ وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ.
و لا مجال لهذا التحجج على نبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع كل هذه الدلائل الواضحة و الآيات البيّنات، ثمّ إنّ الملك ليس أقدر من الإنسان و لا يملك قابلية لحمل رسالة أكثر من قابلية الإنسان بل انّ قابلية الإنسان أكثر بكثير.
يرد القرآن عليهم بجملتين في كل منهما برهان:
الاولى: وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ.
أي لو نزل ملك لمعاونة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهلك الكافرون، و سبب ذلك ما مرّ في آيات سابقة، و هو أنّه إذا اتخذت النبوة جانب الشهود و الحس، أي إذا تحول الغيب بنزول الملك إلى شهود، بحيث يرى كل شيء عيانا، غدت المرحلة هي المرحلة النهائية في إتمام الحجة، إذ لا يكون ثمّة دليل أوضح منها، و على ذلك فإن العصيان في هذه الحالة يستوجب العقاب القاطع، و لكن اللّه للطفه و رحمته بعباده، و لكي يمنحهم فرصة التأمل و التفكير، لا يفعل ذلك إلّا في حالات خاصّة يكون فيها طالب الدليل على أتمّ استعداد، أو في حالات يستحق فيها طالب الدليل الهلاك، أي أنّه ارتكب ما يستوجب معه العقاب الإلهي، في هذه الحالة يحقق له طلبه، ثمّ إذا لم يستسلم صدر أمر هلاكه.
الثّانية: هي أنّ الرّسول الذي يبعثه اللّه لقيادة الناس و تربيتهم و ليكون أسوة لهم، لا بدّ أن يكون من جنس الناس أنفسهم و على شاكلتهم من حيث الصفات و الغرائز البشرية، أمّا الملك فلا يظهر لعيون البشر كما أنّه ليس بإمكانه أنّ يكون قدوة عملية لهم، لأنّه لا يدري شيئا عن حاجاتهم و آلامهم و لا عن غرائزهم و متطلباتها، لذلك فإن قيادته لجنس يختلف عنه كل الاختلاف لا يحقق الهدف.
لذلك فالقرآن في الجواب الثّاني يقول: لو شئنا أن يكون رسولنا ملكا حسبما يريدون، لوجب أن يتصف هذا الملك بصفات الإنسان و أن يظهر في هيئة إنسان: