الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٥ - النّور رمز الوحدة، و الظلمة رمز التشتت
خاصّة- يكون نابعا من أمر وجودي، أي أنّ يوجد الظلمة المطلقة في ظروف خاصة لهدف معين، لا بدّ أن يكون قد استعمل لذلك وسائل وجودية، فإذا أردنا أنّ نجعل الغرفة مظلمة لتحميض صورة- مثلا- فعلينا أن نمنع النّور لكي تحصل الظلمة في تلك اللحظة المعينة، و ظلمة هذا شأنها ظلمة مخلوقة (مخلوقة بالتبع).
و إذا لم يكن (العدم المطلق) مخلوقا، فإن (العدم الخاص) له نصيب من الوجود، و هو مخلوق.
النّور رمز الوحدة، و الظلمة رمز التشتت:
الأمر الآخر الذي ينبغي الالتفات إليه هنا هو أنّ لفظة (نور) ترد في القرآن بصيغة المفرد، بينما الظلمة تأتي بصيغة الجمع (ظلمات).
و قد يكون هذا إشارة لطيفة إلى حقيقة كون الظلام (المادي و المعنوي) مصدرا دائما للتشتت و الانفصال و التباعد، بينما النّور رمز التوحد و التجمع طالما شاهدنا أنّنا في الليلة الصيفية الظلماء نوقد سراجا في فناء الدار، ثمّ لا تمضي إلّا دقائق حتى نرى مختلف أنواع الحشرات تتجمع حول السراج مؤلفة تجمعا حيا حول النّور، و لكننا إذا أطفأنا السراج تفرقت الحشرات كل إلى جهة، كذلك الحال في الشؤون المعنوية و الاجتماعية. فنور العلم و القرآن و الإيمان أساس الوحدة، و ظلام الجهل و الكفر و النفاق أساس التفرق و التشتت.
قلنا: إنّ هذه السورة تسعى إلى لفت نظر الإنسان إلى العالم الكبير لتثبيت قواعد عبادة اللّه و التوحيد في القلوب، توجه نظره أوّلا إلى العالم الكبير، و الآية التّالية تلفت نظره إلى العالم الصغير (الإنسان) فتشير إلى أعجب أمر، و هو خلقه من الطين فتقول هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ.
صحيح أنّنا ولدنا من أبوينا، لا من الطين، و لكن بما أنّ خلق الإنسان الأوّل كان من الطين، فيصح أن نخاطب نحن أيضا على أننا مخلوقين من الطين.
و تستمر السورة فتشير إلى مراحل تكامل عمر الإنسان فتقول: إنّ اللّه بعد ذلك عين مدّة يقضها الإنسان على هذه الأرض للنمو و التكامل: ثُمَّ قَضى أَجَلًا.
«الأجل» في الأصل بمعنى «المدّة المعينة» و «قضاء الأجل» يعني تعيين تلك