الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٦ - التّفسير
و الأنبياء حتى حق الحياة.
في هذه الآية جاء الفعل «كذبوا» بصيغة الماضي بينما جاء الفعل «يقتلون» بصيغة المضارع، و لعل السبب- بالإضافة إلى المحافظة على التناسب اللفظي في أواخر الآيات السابقة و التّالية و كلها بصيغة المضارع- هو كون الفعل المضارع يدل على الاستمرار، و القصد من ذلك الإشارة إلى استمرار هذه الروح فيهم، و أن تكذيب الأنبياء و قتلهم لم يكن حدثا عارضا في حياتهم، بل كان طريقا و اتجاها لهم [١].
في الآية التّالية إشارة إلى غرورهم أمام كل ما اقترفوه من طغيان و جرائم:
وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي ظنوا مع ذلك أن البلاء و الجزاء لن ينزل بهم، و اعتقدوا- كما صرحت الآيات الأخرى- أنّهم من جنس أرقى، و أنّهم أبناء اللّه! و أخيرا استحال هذا الغرور الخطير و التكبر إلى ما يشبه حجابا غطى أعينهم و آذانهم: فَعَمُوا وَ صَمُّوا عن رؤية آيات اللّه و عن سماع كلمات الحقّ.
و لكنّهم عند ما أصابتهم مظاهر من عقاب اللّه و شاهدوا نتائج أعمالهم المشؤومة، ندموا و تابوا بعد أن أدركوا أن وعد اللّه حق، و أنّهم ليسوا عنصرا متميزا فائقا.
و تقبل اللّه توبتهم: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
إلّا أنّ حالة الندم و التوبة لم تلبث طويلا، فسرعان ما عاد الطغيان و التجبر و سحق الحقّ و العدالة، و عادت أغشية الغفلة الناتجة عن الانغماس في الإثم تحجب أعينهم و آذانهم مرّة أخرى ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ فلم يعودوا يرون آيات أو يسمعوا كلمة الحقّ، و عمت الحالة الكثير منهم.
و لعل تقديم «عموا» على «و صمّوا» يعني أن عليهم أوّلا أن يبصروا آيات اللّه
[١]- في الواقع و كما جاء في تفسير «مجمع البيان» و في غيره إنّ عبارة، «فريقا كذبوا و فريقا يقتلون» في الأصل «كذبوا و قتلوا» و «يكذبون و يقتلون».