الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٣ - التّفسير
و هكذا يكون التأثير المعكوس للآيات الصادقة و القول المتزن في النفوس المملوءة عنادا و الجاجا.
و في ختام الآية يخفف اللّه من حزن رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إزاء تصلب هذه الأكثرية من المنحرفين و عنادهم، فيقول له فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [١].
هذه الآية ليست مقصورة على اليهود- طبعا- فالمسلمون أيضا إذا اكتفوا بادعاء الإسلام و لم يقيموا تعاليم الأنبياء، و خاصة ما جاء في كتابهم السماوي، فلن تكون لهم منزلة و مكانة لا عند اللّه، و لا في حياتهم الفردية و الاجتماعية، بل سيظلون دائما أذلاء و مغلوبين على أمرهم.
الآية التّالية تعود لتقرر مرّة أخرى هذه الحقيقة، و تؤكّد أنّ جميع الأقوام و أتباع كل المذاهب دون استثناء، مسلمين كانوا أم يهودا أم صابئين [٢] أم مسيحيين، لا ينجون و لا يأمنون الخوف من المستقبل و الحزن على ما فاتهم إلّا إذا آمنوا باللّه و بيوم الحساب و عملوا صالحا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئُونَ وَ النَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.
هذه الآية، في الحقيقة ردّ قاطع على الذين يظنون النجاة في ظل قومية معينة، و يفضلون تعاليم بعض الأنبياء على بعض، و يتقبلون الدعوة الدينية على أساس من تعصب قومي، فتقول الآية إن طريق الخلاص ينحصر في نبذ هذه الأقوال.
و كما أشرنا في تفسير الآية (٦٢) من سورة البقرة، التي تقترب في مضمونها من مضمون هذه الآية سعى بعضهم بجد ليثبت أنّ هذه الآية تعتبر دليلا على «السلام العام» و على أنّ أتباع جميع الأديان ناجون، و أن يتجاهل فلسفة نزول الكتب السماوية بالتتابع الذي يدل على تقدم الإنسان في مسيرته التكاملية
[١]- «فلا تأس» من الأسى، بمعنى الغم و الحزن.
[٢]- الصابئون هم أتباع يحيى أو نوح أو إبراهيم، و قد ذكرناهم بتفصيل أكثر في المجلد الأول.