الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠٨ - مزايا الكعبة و فضائلها
٤- و من دخله كان آمنا:
لقد طلب إبراهيم عليه السّلام من ربه بعد الانتهاء من بناء الكعبة، أن يجعل بلد مكة آمنا إذ قال رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [١]، فاستجاب اللّه له، و جعل مكة بلدا آمنا، ففيه أمن للنفوس و الأرواح، و فيه أمن للجموع البشرية التي تفد إليه و تستلهم المعنويات السامية منه، و فيه أمن من جهة القوانين الدينية، فإن الأمن في هذا البلد قد بلغ من الاهتمام به و احترامه أن منع فيه القتال منعا باتا، و أكيدا.
و قد جعلت الكعبة بالذات مأمنا و ملجأ في الإسلام لا يجوز التعرض لمن لجأ إليها أبدا، و هو أمر يشمل الحيوانات أيضا إذ يجب أن تكون في أمان من الأذى و المزاحمة إذا هي التجأت إلى هذه النقطة من الأرض.
فإذا التجأ إنسان إلى الكعبة لم يجز التعرض له حتّى لو كان قاتلا جانيا، بيد أنّه حتّى لا تستغل حرمة هذا البيت و قدسيتها الخاصّة، و حتّى لا تضيع حقوق المظلومين سمح الإسلام بالتضييق في المطعم و المشرب على الجناة أو القتلة اللاجئين إليه ليضطروا إلى مغادرته ثمّ ينالوا جزاءهم العادل.
و بعد أن استعرض القرآن الكريم فضائل هذا البيت و عدد مزاياه، أمر الناس بأن يحجوا إليه- دون استثناء- و عبر عن ذلك بلفظ مشعر بأن مثل هذا الحجّ هو في الحقيقة دين للّه على الناس، فيتوجب عليهم أن يؤدوه و يفرغوا ذممهم منه إذ قال وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ.
و تعني لفظة «الحجّ» أصلا القصد، و لهذا سميت الجادة بالمحجة (على وزن مودة) لأنها توصل سالكها إلى المقصد، كما أن لهذا السبب نفسه سمي الدليل ب «الحجة» لأنه يوضح المقصود.
[١]- إبراهيم: ٣٥.