الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٦ - العلاقة مع الأجنبي
بكلامه المعسول و عروضه الجذّابة و تظاهره بالمحبّة الحميمة، لأنّ التاريخ قد أثبت بأنّ أقسى الضربات التي تلقّاها المؤمنون جاءت من هذا الطريق.
لو أنّنا طالعنا تاريخ الاستعمار للاحظنا أنّ المستعمرين جاؤوا دائما في لبوس الصداقة و الترحّم و حبّ الإعمار و البناء فتغلغلوا بين طبقات المجتمع.
إنّ كلمة «استعمار» التي تعني الإعمار و البناء دليل على هذا الخداع، فهم بعد أن يتمكنّوا من إنشاب مخالبهم في جذور المجتمع المستعمر، يبدأون بامتصاص دمائه بكلّ قسوة و بغير رحمة.
مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى أنّ الناس في حياتهم الاجتماعية لا بدّ لهم من اتّخاذ الأولياء و الأصدقاء، فعلى المؤمنين أن يختاروا أولياءهم من بين المؤمنين، لا من بين الكافرين.
فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ.
تقول الآية: إن الذين يعقدون أواصر صداقتهم و ولاءهم مع أعداء اللّه، ليسوا من اللّه في أيّ شيء من الأشياء، أي أنّهم يكونون قد تخلّوا عن إطاعة أوامر اللّه و قطعوا علاقتهم بالجماعة المؤمنة الموحّدة، و انقطعت ارتباطاتهم من جميع الجهات.
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً.
هذا استثناء من الحكم المذكور، و هو أنّه إذا اقتضت الظروف- التقية- فللمسلمين أن يظهروا الصداقة لغير المؤمنين الذين يخشون منهم على حياتهم.
و لكن الآية تعود في الختام لتؤكّد الحكم الأوّل فتقول: يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فاللّه ينذر الناس أوّلا بغضب منه و بعقاب شديد، ثمّ إنّ مرجع الناس جميعا إلى اللّه. و إن تولّوا أعداء اللّه نالوا عاجلا نتيجة أعمالهم.