الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٧ - قصة «عزير» العجيبة
اللّه تعالى، فما المانع أن تتكرر ظاهرة الموت و الحياة هذه.
قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
يسأل اللّه نبيّه في هذه الآية عن المدّة التي قضاها في النوم، فيتردّد في الجواب بين قضائه يوما كاملا أو جزءا من اليوم. و يستفاد من هذا التردّد أنّ الساعة التي أماته اللّه فيها تختلف عن الساعة التي أحياه فيها من ساعات النهار، كأن تكون إماتته قد حدثت مثلا قبل الظهر، و أعيد إلى الحياة بعد الظهر. لذلك انتابه الشكّ إن كان قد نام يوما كاملا بليله و ناره، أم أنّه لم ينم سوى بضع ساعات من النهار. و لهذا بعد أن قال إنّه قضى يوما، راوده الشكّ فقال أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
و لكنّه ما لبث أن سمع اللّه يقول له: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ.
ثمّ أن اللّه تعالى أمر نبيه بأن ينظر إلى طعامه الذي كان معه من جهة، و ينظر إلى مركوبه من جهة اخرى ليطمئن إلى واقعية الأمر فالأول بقي سالما تماما. أمّا الثاني فتلاشى و أصبح رميما. ليعلم قدرة اللّه على حفظ الأشياء القابلة للفساد خلال هذه الأعوام، و يدرك من جهة اخرى مرور الزمان على وفاته:
فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ.
«لم يتسنّه» من مادّة «سنة» أي لم يمض عليه مدّة سنة، لعدم تعفّنه و تفسّخه.
و على ذلك يكون معنى الآية: لاحظ طعامك و شرابك تجده كأنّه لم تمض عليه سنة و لا مدّة زمنية، فلم يتغير، أي أنّ اللّه القادر على إبقاء ما يسرع إليه التفسّخ و الفساد كالطعام و الشراب، قادر أيضا على إحياء الموتى بيسر. فإبقاء الطعام و الشراب نوع من إدامة الحياة لهذه المواد السريعة التفسّخ، و عملية الإبقاء هذه ليست بأيسر من إحياء الموتى [١].
[١]- الضمير في «لم يتسنّه» مفرد و عائده مثّنى: الطعام و الشراب، و إنّما أفرد لقصد الجنس، فكلاهما من جنس واحد.