الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢٤ - اعتراف العلماء و المؤرخين
و يقول الدكتور «غوستاف لوبون»: معترفا بهذه الحقيقة: «... و إلى زمان وقوع هذه الحادثة المدهشة (يعني الإسلام) الذي أبرز العربي فجأة في لباس الفاتحين، و صانعي الفكر و الثقافة لم يكن يعد أن جزء من أرض الحجاز من التاريخ الحضاري و لا أنه كان يتراءى فيها للناظر أي شيء أو علامة للعلم و المعرفة، أو الدين» [١].
و يكتب «نهرو» العالم و السياسي الهندي الراحل في هذا الصدد قائلا:
«إن قصة انتشار العرب في آسيا و أوروبا و أفريقيا و الحضارة الراقية و المدنية الزاهرة التي قدموها للعالم أعجوبة من أعجوبات التاريخ، و لقد كان محمّد واثقا بنفسه و رسالته، و قد هيأ بهذه الثقة و هذا الإيمان لأمته أسباب القوّة و العزّة و المنعة» [٢].
لقد كان وضع العرب سيئا إلى أبعد الحدود حتّى أن القرآن يصف تلك الحالة بأنهم كانوا على حافة الانهيار و السقوط إذ يقول: وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها.
و تعني «شفا» في اللغة حافة الهاوية و طرف الحفرة أو الخندق و ما شابه ذلك، و من ذلك «الشفة»، كما و تستعمل لفظة «شفا» هذه في البرء من المرض، لأن الإنسان بسببه يكون على حافة السلامة و العافية.
و يريد سبحانه من قوله هذا: أنكم كنتم على حافة السقوط و الانهيار في الهاوية، و أن سقوطكم كان محتملا في كلّ آن و متوقعا في كلّ لحظة، لتصبحوا بعد السقوط رمادا، و خبرا بعد أثر، و لكن اللّه نجاكم من ذلك السقوط المرتقب، و أبدلكم بعد الخوف أمنا، و بدل الانهيار اعتلاء و مجدا، و هداكم إلى حيث الأمن
[١]- حضارة العرب لغوستاف لوبون.
[٢]- لمحات من تاريخ العالم ص ٢٣- ٢٤.