الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٨ - ١- من الذي جعل المادّيات زينة؟
١- من الذي جعل المادّيات زينة؟
في تعبير زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ... [١] جاء الفعل مبنيّا للمجهول، أي أنّ الفاعل المجهول قد زيّن للناس حبّ الزوجة و الأولاد و الأموال. في هذه الحالة يخطر للمرء هذا السؤال: ترى من هو الذي زيّن هذه الأمور للناس؟
بعض المفسّرين يرون أنّ هذه المشتهيات من عمل الشيطان الذي يزيّنها في أعين الناس، و يستدلّون على ذلك بالآية ٢٤ من سورة النمل: وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ و أمثالها. إلّا أنّ هذا الاستدلال لا يبدو صحيحا، لأنّ الكلام في الآية التي نبحث فيها لا تتكلّم عن «الأعمال»، بل عن الأموال و النساء و الأبناء.
إنّ التفسير الذي يبدو صحيحا هو أنّ اللّه هو الذي زيّن للناس ذلك عن طريق الخلق و الفطرة و الطبيعة الإنسانية.
إنّ اللّه هو الذي جعل حبّ الأبناء و الثروة في جبلّة الإنسان لكي يختبره و يسير به في طريق التربية و التكامل، كما يقول القرآن إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [٢].
ممّا يثير الالتفات في الآية أنّ الزوجة أو المرأة قد وردت أوّلا، و هذا هو ما يقول به علماء النفس اليوم، بأنّ الغريزة الجنسية من أقوى الغرائز في الإنسان، كما أنّ التاريخ المعاصر و القديم يؤيّد أنّ كثيرا من الحوادث الاجتماعية ناشئة عن طغيان هذه الغريزة.
و ينبغي القول أيضا إنّ هذه الآية و الآيات المشابهة لا تذمّ العلائق المعتدلة مع المرأة و الأولاد و المال، لأنّ التقدّم نحو الأهداف المعنوية غير ممكن بدون الوسائل المادّية، و هي لا تتعارض مع نواميس الخلق الطبيعية. إنّما المذموم هو
[١]- الشهوات: جمع شهوة، أي حبّ شيء من الأشياء حبّا شديدا، و لكنها في هذه الآية بمعنى المشتهيات.
[٢]- الكهف: ٧.