الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥ - الإنفاق و الخلاص من المازق
و هذا المعنى يتأكّد خاصّة في عصر نزول هذه الآيات حيث كان المسلمون في شوق شديد إلى الجهاد كما يحدّثنا القرآن عن أولئك الّذين أتوا النبي يطلبون منه السلاح ليشاركوا في ساحة الجهاد و إذ لم يجدوا ذلك عادوا مهمومين محزونين تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [١].
فعبارة وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بالرّغم من أنّها واردة في ترك الإنفاق في الجهاد الإسلامي، و لكنّ مفهومها واسع يشمل موارد اخرى كثيرة، منها أنّ الإنسان ليس له الحقّ في اتّخاذ الطرق الخطرة للسّفر (سواء من الناحية الأمنيّة أو بسبب العوامل الجويّة أو غير ذلك) دون أن يتّخذ لنفسه الاحتياطات اللّازمة لذلك، كما لا يجوز له تناول الغذاء الّذي يحتمل قويّا أن يكون مسموما و حتّى أن يرد ميدان القتال و الجهاد دون تخطيط مدروس، ففي جميع هذه الموارد الإنسان مسئول عن نفسه في ما لو ألقى بها في الخطر بدون عذر مقبول.
و تصوّر بعض الجهلاء من أنّ كلّ ألوان الجهاد الابتدائي هو إلقاء النفس في التّهلكة و حتّى أنهم أحيانا يعتبرون قيام سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السّلام في كربلاء مصداق لهذه الآية، و هذا ناشئ من الجهل المطبق و عدم درك مفهوم الآية الشريفة، لأنّ إلقاء النفس بالتّهلكة يتعلّق بالموارد الّتي لا يكون فيها الهدف أثمن من النفس و إلّا فلا بدّ من التضحية بالنفس حفاظا على ذلك الهدف المقدّس كما صنع الإمام الحسين و جميع الشهداء في سبيل اللّه كذلك.
فهل يتصوّر أحد أنّ الشّخص الّذي يرى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم في خطر فيحميه بنفسه و يذبّ عنه معرّضا نفسه للخطر فداء لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم (كما صنع علي عليه السّلام في حرب احد أو في ليلة المبيت) فهل يعني هذا إلقاء للنفس بالتّهلكة و إنّه صنع حراما؟ و هل
[١]- التوبة: ٩٢.