الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٢ - ٢- رسالة إلى قيصر الروم
و تهيّأ السفير للانطلاق نحو أرض الروم. و لكنّه قبل أن يصل القسطنطنية، عاصمة القيصر، علم أنّ القيصر قد يمّم شطر بيت المقدس للزيارة. فاتّصل بحاكم «بصرى» الحارث بن أبي شمر و كشف له عن مهمّته. و يبدو أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم كان قد أجاز دفع الرسالة إلى حاكم (بصرى) ليوصلها هذا إلى القيصر.
بعد أن اطّلع الحاكم على الأمر، استدعى عدي بن حاتم و كلّفه أن يسافر مع دحية إلى بيت المقدس ليوصل الرسالة إلى القيصر. التقى السفير قيصر في حمص.
و كانت الحاشية قبل ذلك قد أفهموا دحية أنّ عليه أن يسجد أمام القيصر، و أن لا يرفع رأسه أبدا حتّى يأذن له. فقال دحية: لا أفعل هذا أبدا، و لا أسجد لغير اللّه.
فأعجبوا بمنطقه المتين. و قال له أحد رجال البلاط: إذا لك أن تضع الرسالة تجاه منبر قيصر و تنصرف، إنّ أحدا غير القيصر لا يمسّها. فشكره دحية على ذلك، و ترك الرسالة في ذلك المكان، و انصرف.
فتح قيصر الرسالة، و جلب انتباهه افتتاحها باسم اللّه، و قال: أنا لم أر رسالة مثل هذه غير رسالة سليمان. ثمّ طلب مترجمه ليقرأ له الرسالة و يترجمها. احتمل قيصر أن يكون كاتب الرسالة هو النبيّ الموعود في التوراة و الإنجيل. فعزم على معرفة دقائق حياة هذا النبيّ. فأمر بالبحث في الشام لعلّهم يعثرون على من يعرف شيئا عن محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم. و اتّفق أن كان أبو سفيان و جمع من قريش قد قدموا إلى الشام- التي كانت الجناح الشرقي للروم- للتجارة، فاتّصل بهم رجال القيصر و أخذوهم إلى بيت المقدس، فسألهم القيصر: أيّكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: أنا.
ثمّ قال القيصر للقريشيين- على طريق ترجمانه-: إني سائل (أبا سفيان) عن هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبيّ. فإن كذبني فكذّبوه. فقال أبو سفيان: و ايم اللّه لولا مخافة أن يؤثّر عليّ الكذب لكذبت.