الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٩ - التّفسير
ثمّ مرّة أخرى تتكرّر الجملة التي قرأنا على لسان المسيح في الآية السابقة:
وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ.
و في الآية الثانية تؤكد على لسان السيد المسيح عليه السّلام عبودية المسيح لرفع كلّ إبهام و ريب قد ينشأ من كيفية ولادته التي قد يتشبث بها البعض لإثبات ألوهيته و تقول: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يتّضح من هذه الآية و من آيات أخرى أنّ السيّد المسيح، لكي يزيل كلّ إبهام و خطأ فيما يتعلّق بولادته الخارقة للعادة، و لكي لا يتّخذونها ذريعة لتأليهه، كثيرا ما يكرّر القول إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ و إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا [١]، بخلاف ما نراه في الأناجيل المحرّفة الموجودة التي تنقل عن المسيح أنّه كان يستعمل «الأب» في كلامه عن اللّه. إنّ القرآن يذكر «الرب» بدلا من ذلك: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ. و هذا أكثر ما يمكن أن يقوم به المسيح في محاربة من يدّعي بالوهيّته. بل لكي يكون التوكيد على ذلك أقوى يقول للناس فَاعْبُدُوهُ أي اعبدوا اللّه و لا تعبدوني.
و لذلك نجد أنه لم يكن أحد من الناس يتجرأ في حياة السيّد المسيح عليه السّلام أن يدعي ألوهيته أو أنه أحد الإلهة، و حتّى بعد عروجه بقرنين من الزمان لم تخالط تعليماته في التوحيد شوائب الشرك، إلّا أن التثليث باعتراف أرباب الكنيسة ظهر في القرن الثالث للميلاد (و سيأتي تفصيل ذلك في ذيل الآية ١٧١ من سورة النساء).
[١]- مريم: ٣٠.