الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٥ - مفرقو الصفوف و مثيرو الخلاف
و لهذا قال لهم سبحانه إذا كان بعض الناس ينخدعون بوساوسكم و مؤامراتكم لغفلتهم فإن اللّه يعلم بأسراركم، و خفايا أعمالكم، و ما هو بغافل عمّا تعملون، فعلمه محيط بكم، و عقابه الأليم ينتظركم.
و بعد أن ينتهي هذا التقريع و التنديد، و الإنذار و التهديد لمشعلي الفتن، الصادين عن سبيل اللّه القويم، المستفيدين من غفلة بعض المسلمين يتوجه سبحانه بالخطاب إلى هؤلاء المخدوعين من المسلمين، يحذرهم من مغبة الانخداع بوساوس الأعداء، و الوقوع تحت تأثيرهم، و السماح لعناصرهم بالتسلل إلى جماعتهم، و ترتيب الأثر على تحريكاتهم و تسويلاتهم، و أن نتيجة كلّ ذلك هو الابتعاد عن الإيمان، و الوقوع في أحضان الكفر، إذ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ.
أجل إن نتيجة الانصياع لمقاصد هؤلاء الأعداء هو الرجوع إلى الكفر لأن العدو يسعى في المرحلة الاولى إلى أن يشعل بينكم نيران العداوة و الاقتتال، و لكنه لن يكتفي بهذا القدر منكم، بل سيستمر في وساوسه الخبيثة حتّى يخرجكم عن الإسلام مرّة واحدة، و يعيدكم إلى الكفر تارة اخرى.
من هذا البيان اتضح أن المراد من الرجوع إلى الكفر- في الآية- هو «الكفر الحقيقي، و الانفصال الكامل عن الإسلام» كما و يمكن أن يكون المراد من ذلك هي تلك العداوات الجاهلية التي تعتبر- في حدّ ذاتها- شعبة من شعب الكفر، و علامة من علائمة، و أثرا من آثاره، لأن الإيمان لا يصدر منه إلّا المحبة و المودة و التآلف، و أما الكفر فلا يصدر منه إلّا التقاتل و العداوة و التنافر.
ثمّ يتساءل- في عجب و استغراب- وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ أي كيف يمكن أن تسلكوا سبيل الكفر، و ترجعوا كفّارا و النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم بين ظهرانيكم، و آيات اللّه البينات تقرأ على أسماعكم، و تشع أنوار