الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٨ - قصة «عزير» العجيبة
إلّا أنّ الآية لم تشر إلى ماهيّة طعام النبيّ و شرابه. يقول بعض: إنّ طعامه كان فاكهة التين و كان شرابه عصير بعض الفواكه، و كلاهما يسرع إليه الفساد و التفسّخ كما هو معلوم، لذلك فإنّ بقاءهما هذه المدّة الطويلة دون تلف أمر مهم.
وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ.
لم يذكر القرآن عن حماره شيئا في الآيات السابقة، إلّا أنّ الآيات التالية تشير إلى أنّ حماره قد تلاشى تماما بمضيّ الزمان، و لو لا ذلك لما كان هناك ما يشير إلى انقضاء مائة سنة، و هذا أمر عجيب أيضا، لأنّ حيوانا معروفا بطول العمر يتلاشى على هذه الصورة، بينما الذي يطرأ عليه التفسّخ السريع كالفاكهة و عصيرها لم يتغيّر لا في الرائحة و لا في الطعم، و هذا منتهى تجلّي قدرة اللّه.
وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ.
أي أنّ حكايتك هذه ليست آية لك وحدك، بل هي كذلك للناس جميعا.
وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً.
«النشوز» هو الارتفاع و البروز، و يعني هنا رفع العظام من مكانها و تركيبها مرّة اخرى. فمعنى الآية يكون: انظر إلى هذه العظام النخرة كيف نرفعها من مواضعها و نربط بعض ببعض ثمّ نغطّيها باللحم و نحييها. واضح أنّ العظام المقصودة هي عظام حماره المتلاشي، لا عظام أهل القرية لما في ذلك من انسجام مع الآيات السابقة.
و احتمل بعض المفسّرين أن المراد من العظام هي عظام نفس ذلك النبي، و هذا بعيد جدّا، لأنّ الحديث كان بعد إحيائه، و كذلك احتمل الآخرون هي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من احيائهم [١]، و هذا أيضا بعيد لأن الكلام
[١]- الكشّاف: ج ١ ص ٣٠٧.