الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٨٨ - تحريم الرّبا في مراحل
تحريم الرّبا في مراحل:
كلنا يعرف أن أسلوب القرآن في مكافحة الانحرافات الاجتماعية المتجذرة في حياة الناس يعتمد معالجة الأمور خطوة فخطوة، فهو أولا يهيئ الأرضية المناسبة، و يطلع الرأي العام على مفاسد ما يطلب محاربته و مكافحته، ثمّ بعد أن تتهيأ النفوس لتقبل التحريم النهائي يعلن عن التحريم في صيغته القانونية النهائية (و يتبع هذا الأسلوب خاصة إذا كان ذلك الأمر الفاسد ممّا استشرى في المجتمع، و كانت رقعة انتشاره واسعة).
كما أننا نعلم أيضا أن المجتمع العربي في العهد الجاهلي كان مصابا- بشدة- بداء الربا، حيث كانت الساحة العربية (و خاصة مكة) مسرحا للمرابين. و قد كان هذا الأمر مبعثا للكثير من المآسي الاجتماعية، و لهذا استخدم القرآن في تحريم هذه الفعلة النكراء أسلوب المراحل، فحرم الربا في مراحل أربع:
١- يكتفي في الآية ٣٩ من سورة الروم بتوجيه نصح أخلاقي حول الربا إذ قال سبحانه و تعالى: وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.
بهذا يكشف عن خطأ الذين يتصورون أن الربا يزيد من ثروتهم، في حين أن إعطاء الزكاة و الإنفاق في سبيل اللّه هو الذي يضاعف الثروة.
٢- يشير- ضمن انتقاد عادات اليهود و تقاليدهم الخاطئة الفاسدة- إلى الربا كعادة سيئة من تلك العادات، إذ يقول في الآية ١٦١ من سورة النساء: وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ.
٣- يذكر في الآية الحاضرة- كما سيأتي تفسيرها المفصل- حكم التحريم بصراحة، و لكنه يشير إلى نوع واحد من أنواع الربا، و هو النوع الشديد و الفاحش منه فقط.