الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٠ - الدعوة إلى عبادة غير اللّه مستحيلة
وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ.
الربّاني» هو الذي أحكم ارتباطه باللّه. و لمّا كانت الكلمة مشتقّة من «ربّ» فهي تطلق أيضا على من يقوم بتربية الآخرين و تدبير أمورهم و إصلاحهم.
و على هذا يكون المراد من هذه الآية: إنّ هذا العمل (دعوة الأنبياء الناس إلى عبادتهم) لا يليق بهم، إنّ ما يليق بهم هو أن يجعلوا الناس علماء إلهيّين فى ضوء تعليم آيات اللّه و تدريس حقائق الدين، و يصيّروا منهم أفرادا لا يعبدون غير اللّه و لا يدعون إلّا إلى العلم و المعرفة.
يتّضح من ذلك أنّ هدف الأنبياء لم يكن تربية الناس فحسب، بل استهدفوا أكثر من ذلك تربية المعلّمين و المرّبين و قادة الجماعة، أي تربية أفراد يستطيع كلّ منهم أن يضيء بعلمه و إيمانه و معرفته محيطا واسعا من حوله.
تبدأ الآية بذكر «التعليم» أوّلا ثمّ «التدريس». تختلف الكلمتان من حيث اتّساع المعنى، فالتعليم أوسع و يشمل كلّ أنواع التعليم، بالقول و بالعمل، للمتعلّمين و للأمّيّين. أمّا التدريس فيكون من خلال الكتابة و النظر إلى الكتاب، فهو أخصّ و التعليم أعمّ.
وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً.
هذه تكلمة لما بحث في الآية السابقة، فكما أنّ الأنبياء لا يدعون الناس إلى عبادتهم، فإنّهم كذلك لا يدعونهم إلى عبادة الملائكة و سائر الأنبياء. و في هذا جواب لمشركي العرب الذين كانوا يعتقدون أنّ الملائكة هم بنات اللّه، و بذلك يسبغون عليهم نوعا من الالوهية، و مع ذلك كانوا يعتبرون أنفسهم من أتباع دين إبراهيم. كذلك هو جواب للصابئة الذين يقولون إنّهم أتباع «يحيى»، و كانوا يرفعون مقام الملائكة إلى حدّ عبادتهم. و هو أيضا ردّ على اليهود الذين قالوا إنّ «عزيرا»