الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩٢ - السباق في مضمار السعادة
الوصول إلى الرحمة الإلهية، و النعم و العطايا الربانية الخالدة وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
وَ سارِعُوا تعني تسابق اثنين أو أكثر للوصول إلى هدف معين فيحاول كلّ واحد- باستخدام المزيد من السرعة- أن يسبق صاحبه و منافسه و هو أمر مندوب في الأعمال و الأخلاق الصالحة، و مقبوح مذموم في الأفعال السيئة و الأخلاق القبيحة.
إن القرآن الكريم يستفيد هنا- في الحقيقة- من نقطة نفسية هي أن الإنسان لا يؤدي عمله بسرعة فائقة إذا كان بمفرده، و كان العمل من النوع الروتيني، أما إذا اتخذ العمل طابع المسابقة و التنافس الذي يستعقب جائزة قيمة و مكافأة ثمينة نجده يستخدم كلّ طاقاته، و يزيد من سرعته لبلوغ ذلك الهدف، و نيل تلك الجائزة.
ثمّ إذا كان الهدف المجعول في هذه الآية هو «المغفرة» في الدرجة الأولى فلأن الوصول إلى أي مقام معنوي لا يتأتى بدون المغفرة و التطهر من أدران الذنوب، فلا بدّ إذن من تطهير النفس من الذنوب أولا، ثمّ الدخول في رحاب القرب الإلهي، و نيل الزلفى لديه.
هذا هو الهدف أول.
و أما الهدف الثاني لهذا السباق المعنوي العظيم فهو «الجنة» التي يصرح القرآن الكريم أن سعتها سعة السماوات و الأرض وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ.
ثمّ إن هناك تفاوتا قليلا بين هذه الآية و بين الآية ٢١ من سورة الحديد سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ.
ففي هذه الآية ذكرت لفظة «المسابقة» مكان «المسارعة» كما ذكرت السماء بصورة المفرد المصدّر بألف و لام الجنس الذي يفيد العموم.