الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٤٠ - الوجوه المبيضة و الوجوه المسودة
الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فلما ذا اخترتم طريق النفاق و الفرقة و الجاهلية على الاتحاد في ظلّ الإسلام، فذوقوا جزاءكم العادل، و أما المؤمنون فغارقون في رحمة اللّه وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
إن هاتين الآيتين تصرحان بأن المنافقين و المتفرقين بعد ما جاءتهم البينات هم المسودة وجوههم الذائقون للعذاب الأليم بسبب كفرهم، و أما المؤمنون المتآلفون المتحابون المتحدون فهم في رحمة اللّه و رضوانه مبيضة وجوههم.
و لقد قلنا مرارا أن ما يلاقيه الإنسان من الأوضاع و الحالات، و من الثواب و العقاب في الحياة الآخرة ليس في الحقيقة سوى أفكاره و أعماله و تصرفاته المجسمة التي قام بها في هذه الحياة الدنيا، فهما و جهان لعملة واحدة، إنه تجسم صادق و دقيق لما كان ينويه أو يعمله هنا ليس إلّا.
و بعبارة أخرى: أن لكل ما يفعله الإنسان في هذه الحياة آثارا واسعة تبقى في روحه، و قد لا تدرك في هذه الحياة، و لكنها تتجلّى- بعد سلسلة من التحولات- في الآخرة، فتظهر بحقائقها الواقعية، و حيث إن جانب الروح يكون أقوى في الآخرة، إذ تشتد حاكميتها و سيادتها على الجانب الآخر من الكيان البشري من هنا يكون لتلك الآثار انعكاساتها حتّى على الجسد، فتبدو الآثار المعنوية للأعمال محسوسة كما يكون الجسد محسوسا لكلّ أحد.
فكما ان الإيمان و الاتحاد يوجبان الرفعة و بياض الوجوه في هذا العالم، و يوجب العكس العكس، أي أن الكفر و الاختلاف يوجبان للأمة الكافرة المتفرقة سواد الوجه و الذلة، فإن هذا البياض و السواد (المجازيين) في الدنيا يظهران في الآخرة بصورة حقيقية حيث يحشر المؤمنون المتحدون المتآلفون بيض الوجوه،