الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٤٩ - اليهود و المصير الخطير
اليهود و المصير الخطير:
إن الآيات المذكورة و إن لم تصرح باسم اليهود و لكن بقرينة القرائن الموجودة في هذه الآية و الآيات السابقة و كذا بقرينة الآية ٦١ من سورة البقرة و نظائرها ممّا صرّح فيه باسم اليهود يستفاد أن قوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يرتبط باليهود، و يعنيهم.
ففي هذا المقطع من الآية يقول سبحانه: أن أمام اليهود طريقين يستطيعون بهما أن يتخلصوا من لباس الذلة:
إما أن يعودوا إلى اللّه، و يعقدوا حبلهم بحبله، و إما أن يتمسكوا بحبل من الناس، و يعتمدوا على هذا و ذاك، و يعيشوا ذيولا و أتباعا للآخرين.
و تعني لفظة «ثقفوا» المأخوذة من «ثقف» على وزن «سقف». الحذق في إدراك الشيء، و الظفر به بمهارة.
و يقصد القرآن من ذلك: أن اليهود أينما وجدوا فإنهم يوجدون و قد ختموا بخاتم الذلة على جباههم مهما حاولوا إخفاء ذلك- و كان ذلك هي الصفة البارزة لهم بسبب مواقفهم المشينة من تعاليم السماء، و رسالات الأنبياء العظام، إلّا إذا عادوا إلى منهج السماء، أو استعانوا بهذا أو ذاك من الناس لتخليصهم من هذا الذل.
و إنقاذهم من هذا الهوان.
و أما التعبير بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ و إن ذهب المفسّرون فيه إلى احتمالات عديدة، بيد أن ما قد ذكر قريبا يمكن أن يقال بأنه أنسب إلى الآية من بقية الاحتمالات، لأنه عند ما يوضع «حبل اللّه» في قبال «حبل من الناس» يتبين أن هناك معنى متقابلا متفاوتا لهما لا أن الأول بمعنى الإيمان باللّه، و الثاني بمعنى العهد المعطى لهم من جانب المسلمين على وجه الأمان و الذمة.